سأل رجلًا حاتم الطائي، المعروف بكرمه وسخائه، فقال له:
يا حاتم، هل غلبك أحد في الكرم يومًا؟
فقال حاتم: نعم، غلام يتيم من قبيلة طيء، نزلت ضيفًا عنده ذات يوم.
وكان الغلام يملك عشرة رؤوس من الغنم، فما إن علم بقدومي حتى أخذ واحدًا منها، فذبحه وأعدّ لي طعامًا، ثم قدّمه إليّ.
وكان من بين ما قدّمه لي دماغ الشاة، فتناولته وأعجبني مذاقه، فقلت له: ما أطيبه والله!
وما إن سمع الغلام ثنائي على مذاقه، حتى خرج من عندي، وأخذ يذبح شاة تلو الأخرى، ويقدّم إليّ دماغ كل واحدة منها، دون أن أشعر بما يفعله.
وحين هممت بالرحيل، نظرت حول بيته، فإذا بالدماء قد ملأت المكان، وعلمت أنه ذبح أغنامه العشرة جميعًا من أجلي!
فالتفت إليه متعجبًا وقلت: ويحك! لماذا فعلت كل ذلك؟!
فقال الغلام في بساطة وعزة نفس:
سبحان الله! أستطيب شيئًا أملكه، ثم أبخل عليك به؟! إن ذلك لعارٌ قبيح على العرب!
تعجبت من عظيم كرمه، وسألته: وماذا عوّضته عن أغنامه؟
قال حاتم: أعطيته ثلاثمائة ناقة حمراء، وخمسمائة رأس من الغنم.
فقال الرجل متعجبًا: إذن أنت أكرم منه، فقد أعطيته أضعاف ما أنفقه!
فأجابه حاتم الطائي بكلمات تكشف عن عظمة نفسه، وتواضعه أمام كرم ذلك الغلام:
بل هو أكرم مني؛ لأنه جاد بكل ما يملك، أما أنا فقد جُدت بقليل من كثير!
العبرة:
ليس الكرم بكثرة ما تعطي، وإنما بحجم ما تقدّمه قياسًا إلى ما تملك؛ فقد يعطي الغني من فائض ماله، بينما يعطي الفقير من قوته، فيكون عطاؤه أعظم قدرًا وأصدق معنى.




