سياسة الكيل بمكيالين: واشنطن والنفط الروسي بين العقوبة والاستثناء : د. مجيد حسو مراد

 

لم تمضِ ثلاثة أسابيع على توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قانون العقوبات الأشد على روسيا، حتى أعلن في التاسع من أكتوبر اتفاقًا مع الرئيس فلاديمير بوتين يفتح الباب أمام ثلاثة ملايين طن من الديزل الروسي نحو السوقين الأمريكية والعالمية، مع تعليق مؤقت للعقوبات المفروضة على هذا الوقود. هذه المفارقة ليست زلة سياسية عابرة، بل تكشف منطقًا أعمق في إدارة العقوبات الأمريكية، حيث تُفرض العقوبة على الآخرين بصرامة، ويُمنح الاستثناء حين تمسّ الكلفة الداخل الأمريكي. ومن هنا يصبح السؤال المشروع ليس عن جدوى العقوبات على روسيا، بل عن معيارها: من يدفع ثمنها، ومن يملك حق الإعفاء منها؟

لفهم القرار لا بد من العودة إلى سوق الديزل نفسه. فقد ارتفعت أسعاره بنحو سبعين في المئة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتجاوز سعر الغالون في الولايات المتحدة ست دولارات للمرة الأولى. والديزل ليس وقودًا عاديًا، فهو يحرّك الشاحنات والقطارات والآلات الزراعية، وارتفاعه ينتقل سريعًا إلى أسعار الغذاء والنقل. وفي الوقت ذاته أدت الضربات الأوكرانية على المصافي الروسية إلى تراجع الإنتاج، فحظرت موسكو تصدير الديزل لتأمين سوقها المحلية. أمام هذا الضيق في العرض، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر، تحوّل سعر الوقود إلى ملف انتخابي بامتياز، ولم يُخفِ ترامب ذلك حين قدّم الصفقة بوصفها خفضًا للأسعار لصالح المزارعين وسائقي الشاحنات.

غير أن المشكلة لا تكمن في رغبة واشنطن في خفض الأسعار، بل في الطريقة الانتقائية التي تُدار بها الاستثناءات. فقانون العقوبات الجديد يخوّل الرئيس فرض رسوم جمركية تصل إلى مئة في المئة على الدول التي تشتري الطاقة الروسية، وهو تهديد موجّه أساسًا إلى الهند والصين. وفي المقابل اضطرت دولة فقيرة مثل بنغلاديش إلى مفاوضات دبلوماسية للحصول على إعفاء محدود بستين يومًا لاستيراد الديزل الروسي، رغم حاجتها الملحّة إليه. أي أن الدول المستوردة تستأذن، بينما تمنح واشنطن الاستثناء لنفسها بقرار رئاسي. وقد تكرّر هذا النمط طوال العام، فمُنحت إعفاءات للنفط الروسي في مارس وأبريل رغم تعهد وزير الخزانة بعدم تمديدها، ثم انتهت في مايو، لتعود اليوم بصيغة أوسع.

ويتضح الكيل بمكيالين أكثر حين ننظر إلى توزيع الكلفة. فقبل أسبوع واحد من الصفقة، هددت الإدارة الأمريكية ألمانيا وفرنسا بحظر صادرات الديزل الأمريكي إن لم تسحبا من مخزوناتهما الاستراتيجية، وانتهى الأمر بإطلاق منسّق لمئة مليون برميل. وأوروبا هي نفسها التي حظرت الديزل الروسي على نفسها منذ عام 2023 التزامًا بالموقف الغربي. أما أوكرانيا فقد طولبت منها مرارًا بوقف ضرب المصافي الروسية، وهي ورقتها الاقتصادية الأقوى، دون أن يُطلب من موسكو بالمثل وقف استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية. لذلك لم يكن مستغربًا أن يصف الرئيس زيلينسكي الاتفاق بأنه استثمار في حرب يجب إنهاؤها لا إطالة أمدها.

سياسيًا يحمل القرار دلالة أخطر من أثره الاقتصادي. فالعقوبات تفقد فعاليتها حين تتحول من أداة ضغط ثابتة إلى ورقة تفاوض قابلة للتعليق. وقد التقطت موسكو الرسالة سريعًا، فقدّم الكرملين المكالمة على أنها تعاون يخدم الاقتصاد العالمي، وأشار إلى أنها تناولت أيضًا أوكرانيا وإيران، ما يوحي بأن الديزل قد يكون مدخلًا لمقايضة أوسع. كما يُضعف القرار حجة واشنطن أمام الهند والصين حين تطالبهما بوقف الشراء، إذ يصعب إقناع الآخرين بالتزام لا يلتزم به صاحبه.

في المحصلة لا يمكن قراءة صفقة الديزل بمعزل عن سلسلة القرارات التي سبقتها. فكلفة الحرب على إيران وُزّعت على أطراف لم تشارك في قرارها: أوكرانيا طُلب منها التخلي عن أداتها العسكرية، وأوروبا طُلب منها استنزاف احتياطتها، والدول الفقيرة طُلب منها الاستئذان. وفي النهاية عادت إلى موسكو عائدات كانت العقوبات تهدف أصلًا إلى قطعها. ثم ما الضير من إيجاد مخرج مع إيران، ولو كان مؤقتًا، يهدّئ الأسواق العالمية ولو لحين؟ فمعالجة أصل الأزمة أقل كلفة من توزيع أعبائها على الحلفاء والخصوم معًا. إن نظام عقوبات يُطبَّق بصرامة على الضعفاء ويُعلَّق عند أول ضغط انتخابي داخلي يفقد شرعيته الأخلاقية قبل فعاليته الاقتصادية. والدرس الأهم للعالم العربي والدول النامية أن العقوبات الأمريكية ليست قانونًا دوليًا محايدًا، بل امتياز سيادي يُمنح ويُسحب وفق مصلحة من يملكه.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت