من كسر التوافق إلى كسر الإقليم: هل تعود كردستان إلى إدارتين؟
بافل طالباني أمام الاختبار الأصعب.. وما جرى في برلمان كردستان قد لا يكون نهاية الانسداد السياسي، بل بداية أزمة تهدد وحدة الإدارة والإقليم.
لم يكن ما جرى في برلمان كردستان يوم أمس مجرد جلسة لاستكمال انتخاب هيئة الرئاسة، ولم يكن انتصارا برلمانيا عابرا للحزب الديمقراطي الكردستاني. ما حدث قد يكون نقطة تحول خطيرة في مستقبل العلاقة بين أربيل والسليمانية، وخطوة جديدة نحو إنهاء الصيغة السياسية التي قامت عليها إدارة الإقليم منذ سنوات، وفتح الباب أمام سيناريو العودة إلى إدارتين منفصلتين.
فالحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يمتلك 39 مقعدا، تمكن من تأمين النصاب بأغلبية بلغت 52 نائبا، بعد حضور نواب خالفوا مواقف المقاطعة المعلنة من أحزابهم. وبذلك نجح في تمرير انتخاب هيئة رئاسة البرلمان من دون توافق سياسي مع الاتحاد الوطني الكردستاني، ولا مع القوى التي كانت قد أعلنت رفضها عقد الجلسة بهذه الطريقة.
والأكثر إثارة للتساؤلات في تفاصيل ما جرى، أن اسم رامي نوري سياوش كان قد ظهر في تغطية شبكة رووداو بوصفه المرشح لمنصب نائب رئيس البرلمان، قبل نحو نصف ساعة من إعلانه ترشحه رسميا داخل قبة البرلمان.
لكن السؤال الأهم ليس من فاز برئاسة البرلمان، بل: ماذا بقي من الشراكة السياسية التي يفترض أن تحكم الإقليم؟
لقد كان تحالف الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة الجيل الجديد يمتلك 38 مقعدا، وكان يشكل ثقلا برلمانيا قادرا على فرض معادلة تفاوضية متوازنة مع الحزب الديمقراطي صاحب المقاعد الـ39.
أما اليوم، وبعد حضور عدد من النواب الذين خالفوا مواقف أحزابهم، فقد تراجع عدد النواب الملتزمين بموقف المقاطعة إلى نحو 32، وفق الحسابات المتداولة.
وترافق ذلك مع اتهامات سياسية وإعلامية بوجود ضغوط أو إغراءات مالية لاستمالة بعض النواب، وهي اتهامات لم تثبت بصورة مستقلة حتى الآن، لكنها تطرح سؤالا خطيرا حول حدود استقلال القرار النيابي، وحول ما إذا كانت الإرادة السياسية للأحزاب والناخبين يمكن تجاوزها عبر استقطاب أفراد من داخلها.
الأنظار الآن تتجه إلى بافل طالباني.
فهل يقبل رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بأن تتحول الجلسة إلى قاعدة جديدة لإدارة الإقليم من طرف واحد؟ وهل يواصل التمسك بتحالفه مع الجيل الجديد، أم يعيد حساباته أمام واقع برلماني فرضه الحزب الديمقراطي من دون اتفاق سياسي شامل؟
إن القضية لم تعد تتعلق بمنصب رئيس البرلمان أو بعدد الحقائب الوزارية. إنها تتعلق بمستقبل السليمانية وحلبجة، وبموقع الاتحاد الوطني في معادلة الحكم، وبمصير اتفاق الشراكة الذي جمع الحزبين الرئيسيين منذ سنوات.
لكن هنا يبرز سؤال لا بد من طرحه: هل كان الحزب الديمقراطي الكردستاني سيقبل بالنتيجة نفسها لو أن الأغلبية البرلمانية جاءت ضده، وتمكنت القوى الأخرى من عقد الجلسة وانتخاب هيئة الرئاسة من دون موافقته؟
التاريخ يقدم سابقة لا يمكن تجاهلها. ففي عام 2015، مُنع رئيس برلمان كردستان آنذاك، يوسف محمد، المنتمي إلى حركة التغيير، من دخول أربيل، كما مُنع عدد من نواب الحركة من الوصول إلى العاصمة، في أزمة أدت إلى تعطيل عمل البرلمان لفترة طويلة. وقد ارتبطت تلك الأزمة بالخلاف حول تمديد ولاية مسعود بارزاني وموقف رئيس البرلمان من عقد جلسة بهذا الشأن.
وبالتالي، فإن السؤال اليوم ليس فقط ما إذا كان من حق الأغلبية عقد الجلسة والتصويت، بل ما إذا كان الحزب الديمقراطي سيقبل بالمبدأ نفسه عندما تكون الأغلبية السياسية في مواجهته. فالمؤسسات البرلمانية لا يمكن أن تكون مقبولة عندما تخدم طرفا، ومرفوضة أو معطلة عندما لا تخدمه. وتزداد حساسية هذه المقارنة حين نتذكر أن مبنى البرلمان نفسه يقع في أربيل، وأن الوصول إليه كان محور أزمة عام 2015.
فهل تغيرت قواعد اللعبة فعلا، أم أن معيار قبول نتائج البرلمان ما زال مرتبطا بمن يمتلك مفاتيح المبنى وموازين القوة؟
فإذا مضى الحزب الديمقراطي في تشكيل مؤسسات الإقليم وحكومته اعتمادا على أغلبيته البرلمانية الجديدة، بينما رفض الاتحاد الوطني الاعتراف بالمسار السياسي الناتج عن جلسة يراها أحادية، فقد نجد أنفسنا أمام مؤسسات وقرارات تُدار من أربيل، مقابل موقف سياسي وإداري مغاير في السليمانية وحلبجة.
وهذا ليس مجرد احتمال نظري، فالتقسيم الجغرافي للنفوذ بين الحزبين ما زال قائما على أرض الواقع، رغم وجود مؤسسات إقليمية مشتركة. وقد حذرت تحليلات سياسية حديثة من أن انهيار التفاهمات بين الحزبين يهدد بإعادة إنتاج واقع الإدارتين المنفصلتين.
وفي حال تصاعد الخلاف، قد تتجه السليمانية وحلبجة إلى تعزيز علاقتهما المباشرة ببغداد، والمطالبة بترتيبات إدارية ومالية أكثر استقلالا عن حكومة الإقليم، وصولا إلى طرح العودة إلى إدارة اتحادية مباشرة بوصفها ورقة سياسية.
وهنا تكمن المفارقة: الحزب الديمقراطي الذي يقول إنه أعاد تفعيل البرلمان وحمى مؤسسات الإقليم، قد يجد نفسه أمام نتيجة معاكسة تماما، إذا أدى تجاوز التوافق إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات المشتركة، ودفع نصف المعادلة السياسية تقريبا إلى التعامل معها باعتبارها مؤسسات لا تمثل شراكة حقيقية.
لا يمكن بناء إقليم موحد بمجرد جمع 52 صوتا في قاعة البرلمان. ولا يمكن اختزال إرادة مكونات سياسية ومناطق كاملة في نتيجة جلسة، مهما كان تفسيرها القانوني. فالأغلبية قد تمنح شرعية التصويت، لكنها لا تصنع وحدها الثقة، ولا تضمن الاستقرار، ولا تلغي حق القوى الأخرى في المشاركة السياسية.
لقد نجح الحزب الديمقراطي في تأمين النصاب، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل سيستخدم هذه الأغلبية لفتح باب التفاهم، أم لتكريس حكم الأمر الواقع؟
أما بافل طالباني، فهو اليوم أمام قرار يتجاوز حسابات المقاعد والمناصب.
فإما أن ينجح في انتزاع ضمانات لشراكة سياسية حقيقية، وإما أن يجد السليمانية وحلبجة نفسيهما أمام واقع جديد يعيد رسم علاقتهما بأربيل، وربما ببغداد أيضا.
قد يكون الحزب الديمقراطي قد كسب جلسة البرلمان، لكن خسارة التوافق قد تكون أكبر بكثير من مكسب 52 صوتا.
فالإقليم لا يتوحد بالنصاب وحده، ولا يحكم بالشراكة إذا تحولت الشراكة إلى مجرد أرقام.
Anb




