النمسا
إذا أردت أن تُحس بالدونية والمواطنة من الدرجة الثانية، فليس عليك سوى أن تكون أديباً أو فناناً أو مفكراً كردياً وتتلقى دعوة لزيارة إحدى القنوات الفضائية الكردية!
في هذه القنوات التي تنبت كالفطر وتُموّل بمبالغ خيالية لا يُعرف لها رأس من ذيل، هناك قانون غير مكتوب ولكنه مقدّس: الخارجي يتقاضى بالدولار، والمحلي يتقاضى الشكر والتقدير (مع التمني بعدم المطالبة بأجرة التاكسي)!
الكاميرا تحب الضيوف الأجانب
تخيل المشهد: القناة الفضائية تعزم خبيراً أجنبياً او عربيا – قد يكون مجرد سائح تائه في أربيل – فتتفلّت الميزانية! تذاكر طيران على الدرجة الأولى، إقامة في فنادق 5 نجوم، ومكافأة مالية تُصرف بالعملة الصعبة لقاء حديثه المفصل عن جمال الطبيعة في المنطقة ولا علم له بالجمال.
وفي نفس اليوم، تتصل القناة نفسها بأديب كردي قادم من دهوك أو السليمانية او من اوربا كما حدث معي ، وتقول له بنبرة ملائكية: أهلاً بك يا أستاذنا الكبير، يسعدنا حضورك للبرنامج!
وحين يتجرأ الأديب ويسأل عن بدلات النقل أو أجر اللقاء، يأتيه الرد الصادم بابتسامة عريضة: عفواً يا أستاذ.. نحن في كردستان ضيوفنا يخرجون معنا مجاناً!
يا للمصادفة! الضيف الأجنبي والعربي من الخارج يُشترى بالدولار، والضيف الكردي يُطلب منه أن يمارس العمل الخيري لصالح قناة تمتلك ميزانية تُدار بها دول! يبدو أن التاكسي الذي ينقل المبدع الكردي يسير بنوايا حسنة، بينما طائرة الخبير الأجنبي تسير بالوقود المأجور!
ضيوفنا الكرام: هل أنتم ضيوف أم تكملة ديكور؟
ولكن العتب ليس فقط على إدارة القنوات، العتب الأكبر على الضيوف من كتاب وفنانين ومثقفين من كردستان العراق. كيف تقبلون أن تصبحوا حشو ساعات البث بغير مقابل؟ كيف تهرعون إلى الاستوديوهات بمجرد رنين الهاتف، وتجلسون تحت الإضاءة لتقدموا عصارة أفكاركم مجاناً، في حين أن المصور الذي يقف خلف الكاميرا، ومهندس الصوت، والمدير، وحتى مستشار القناة (الذي استُورد خصيصاً من الخارج) يتقاضون أجوراً خيالية؟
إن موافقة المثقف الكردي على أن يُعامل كـ ضيف مجاني هي رخصة رسمية للقناة لاستصغاره واستصغار الهوية والفن الكردي. حين تقول للقناة أنا لا أعمل مجاناً، فأنت لا تطالب بالمال فقط، بل تطالب باحترام قيمتك وقيمة ما تقدمه.
كلمة أخيرة للقنوات والضيوف
إلى القنوات الفضائية الكردية: إذا كانت شاشاتكم تُبنى بأموال الكرد، فالأولى أن تحترموا العقل الكردي والمبدع الكردي، وتتوقفوا عن ممارسة عقدة الخواجة” الإعلامية.
إلى الزملاء الأدباء والفنانين: المرة القادمة التي تتصل بكم فيها قناة وتخبركم أن الضيوف مجاناً، قولو لهم بكل بساطة: ابحثوا لكم عمن يتحدث مجاناً.. فلستُ جزءاً من برنامجكم الخيري!
فاللبيب – كما قيل – تكفيه الإشارة!




