عمال البناء في الأراضي الزراعية.. حين يُعاقَب الفقير ويُترك السؤال الكبير بلا جواب! : رياض سعد

في العراق، لم تعد لقمة العيش معركةً يومية يخوضها الفقراء في مواجهة الغلاء وحده، بل أصبحت أحيانًا معركةً مع الإجراءات والسيطرات والقوانين وعناصر الشرطة والاجهزة الامنية التي تجعل العامل البسيط يدفع ثمن أزمات لا يملك قرارًا فيها، ولا يملك من أمره إلا قوة جسده، وما يجنيه من عرق جبينه.

تأملوا حال عامل البناء الذي يخرج من بيته عند السادسة أو السابعة صباحًا، متجهًا إلى موقع عمله في إحدى المناطق الزراعية، لا يحمل في جيبه سوى أملٍ متواضع بأن يعود في نهاية النهار ببضعة آلاف من الدنانير تسدّ رمق أسرته …  ؛ يعمل تحت أشعة الشمس الحارقة صيفًا، وفي البرد القارس شتاءً، حتى الرابعة عصرًا، في أعمال شاقة تستنزف عضلاته وصحته، مقابل أجر يومي يتراوح بين خمسة عشر ألفًا وعشرين ألف دينار، بحسب طبيعة العمل والاتفاق مع صاحب المشروع والبيت .

أيُّ معادلة اقتصادية هذه التي تجعل الإنسان يبيع ثماني ساعات أو أكثر من عمره وصحته مقابل مبلغ بالكاد يكفي لتغطية احتياجات يومية أساسية؟

وكيف يستطيع عامل يتقاضى عشرين ألف دينار أن يواجه غلاء المعيشة، فيما يبلغ سعر كيلو الطماطم نحو ألفي دينار، وكذلك البصل والخيار والليمون، فضلًا عن تكاليف الخبز والنقل والإيجار والكهرباء والدواء ومستلزمات الأطفال؟

إننا لا نتحدث عن أرقام مجردة في دفتر حسابات، بل عن عائلات تنتظر عودة معيلها، وعن أطفال يحتاجون إلى الطعام والملابس، وعن آباء يخفون عجزهم خلف وجوه متعبة، وعن رجال ينهشهم الألم والإرهاق، لكنهم يواصلون العمل لأن الجوع لا يمنحهم إجازة، ولأن الفقر لا يسمح لهم برفاهية الاعتراض.

أولًا: من باب الرزق إلى بوابة المعاناة

تبدأ مأساة هذا العامل أحيانًا قبل أن يصل إلى موقع العمل؛ إذ يواجه أصحاب أعمال البناء والعمال، وفق شكاوى متداولة، إجراءات تمنع دخول مواد البناء إلى بعض المناطق الزراعية، أو تفرض قيودًا على نقلها إليها… ؛  وقد يتحدث الناس عن مبالغ تُدفع لتجاوز تلك القيود، وعن تفاوت في طريقة التعامل مع مواقع البناء المتجاورة.

وهنا تبرز أسئلة لا يجوز تجاهلها: ما الأساس القانوني الذي تُمنع بموجبه مواد البناء؟ وهل توجد قرارات واضحة ومعلنة تنظم دخولها؟ ومن المسؤول عن تنفيذها؟ وكيف تُراقَب السيطرات والجهات المكلفة بتطبيقها؟ وإذا كانت هناك مخالفات أو تجاوزات، فلماذا لا تكون الإجراءات معلومة للجميع، وتُطبَّق على الجميع دون استثناء؟

إن حماية الأراضي الزراعية من التجاوز العمراني، إذا كانت هي الغاية، قضية تتصل بالتخطيط والبيئة والأمن الغذائي ومستقبل المدن، ولا يصح اختزالها في مشهد عامل فقير يقف عاجزًا أمام سيطرة، أو صاحب منزل يحاول إدخال الإسمنت والطابوق إلى موقع عمله. المطلوب هو قانون واضح، وإجراءات شفافة، ومحاسبة عادلة، لا أن تتحول رحلة مواد البناء إلى سلسلة من المعاناة والاتهامات المتبادلة.

أما ما يُتداول عن دفع مبالغ غير رسمية لتسهيل مرور المواد أو استمرار البناء، فهو أمر خطير يستحق التحقيق والأدلة والمساءلة… ؛  وإذا ثبت وقوع الرشوة أو استغلال المنصب، فإن المسؤولية تقع على من يرتكب المخالفة، لا على العامل الذي لا يملك سوى قوته اليومية.

ثانيًا: لماذا يُعتقل العامل ويظل السؤال عن صاحب البناء قائمًا؟

تصل المفارقة إلى ذروتها عندما يبدأ العامل عمله، ويحمل الطابوق ويخلط الإسمنت ويرفع مواد البناء، ثم تفاجئه مفرزة أمنية وتقتاده إلى مركز الشرطة، وكأنه هو الذي خطط للتجاوز، واتخذ القرار، وامتلك الأرض، وموّل المشروع.

العامل في معظم هذه الحالات ليس صاحب الأرض، ولا صاحب القرار في البناء، ولا الجهة التي وضعت الضوابط أو أصدرت التعليمات.. ,  إنه أجير جاء ليعمل مقابل أجر معلوم، وقد لا يملك أصلًا القدرة على مناقشة صاحب العمل في قانونية الأرض أو تفاصيل التراخيص.

فإذا كان هناك تجاوز على أرض زراعية، فمن المسؤول عنه قانونيًا؟ وما دور مالك الأرض أو صاحب المشروع؟ وما الإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة بشأن أصل المخالفة؟ وهل توجد أوامر قانونية واضحة لتنفيذ الاعتقال أو الإزالة؟ وما طبيعة المخالفة المنسوبة إلى العامل نفسه؟

هذه أسئلة ينبغي أن تُجاب عنها بالوثائق والقانون، لا بالانطباعات أو الاتهامات.

إن مبدأ سيادة القانون لا يعني معاقبة من يسهل الوصول إليه، بل تحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، ومساءلة كل طرف وفق دوره الفعلي.. ,  ولا يجوز أن يتحول العامل إلى كبش فداء لمجرد أنه الأضعف، أو لأنه لا يملك نفوذًا يحميه، أو لأن اعتقاله أسهل من مواجهة الأطراف الأخرى.

وإذا كان العامل قد ارتكب مخالفة محددة، فإنها تُقيَّم وفق القانون والإجراءات الأصولية.. ,  أما إذا كان يؤدي عملًا مأجورًا لا يشكل بحد ذاته جريمة، فإن مجرد وجوده في موقع بناء مخالف لا يكفي وحده لتبرير اعتقاله دون سند قانوني.

ثالثًا: لماذا يعمل بعض العمال بحرية ويُعتقل آخرون؟

الأكثر إيلامًا في روايات بعض العمال هو أن العامل، وهو يُقتاد إلى مركز الشرطة، قد يشاهد زملاء آخرين يواصلون العمل في المنطقة نفسها، وفي ظروف تبدو متشابهة، من دون أن يتعرضوا للإجراء ذاته.

وهنا تتولد شبهة التمييز في تطبيق القانون، ويبدأ السؤال الذي يردده الناس: لماذا يُمنع هذا ويُسمح لذاك؟ هل تختلف طبيعة المخالفة؟ هل يحمل أحدهما موافقات لا يحملها الآخر؟ هل صدرت أوامر مختلفة؟ أم أن هناك تدخلات أو تجاوزات وصفقات رشى وفساد تستوجب التحقيق؟

تُتداول بين الناس اتهامات بأن بعض أصحاب المشاريع يدفعون مبالغ غير رسمية لضمان استمرار العمل، بينما يُترك العمال الذين لا تحميهم مثل هذه الترتيبات عرضةً للملاحقة.. ,  وهذه اتهامات لا ينبغي الجزم بصحتها دون أدلة مستقلة، لكنها، إن كانت متكررة ومصحوبة بقرائن، تستوجب تحقيقًا جادًا وشفافًا من الجهات الرقابية والقضائية.

فالقانون لا يفقد هيبته عندما يُطبَّق على المخالف فحسب، بل يفقدها أيضًا عندما يشعر الناس بأن تطبيقه يتغير بتغير قدرة الشخص على الدفع أو امتلاك النفوذ.

إن العدالة لا تعني أن يُسمح للجميع بمخالفة القانون، وإنما أن يخضع الجميع للقانون نفسه، وأن تُحدَّد المخالفات بوضوح، وأن تُنفذ القرارات دون انتقائية، وأن تكون أبواب الشكوى والاعتراض مفتوحة أمام المتضررين.

رابعًا: الاقتصاد الذي يستهلك أجساد الفقراء

من الناحية الاقتصادية، يكشف هذا المشهد عن أزمة أعمق من مسألة اعتقال عامل أو منعه من العمل.. ,  إنه يكشف هشاشة سوق العمل اليومي، وغياب الأمان الوظيفي عن فئة واسعة من العمال الذين يعيشون من أجور متقطعة، بلا ضمانات كافية، وبلا حماية فعالة من مخاطر المهنة وتقلبات الدخل.

العامل الذي يتقاضى خمسة عشر ألف دينار في اليوم لا يحصل بالضرورة على هذا المبلغ كل يوم من أيام الشهر؛ فقد يتوقف العمل بسبب المطر، أو البرد، أو نقص المواد، أو تعطل المشروع، أو الإجراءات الأمنية، أو خلاف بين صاحب البناء والجهات المختصة.. ,  وقد يضطر إلى إنفاق جزء من أجره على النقل والطعام، فلا يصل إلى أسرته إلا القليل.

وبذلك لا يصبح الأجر اليومي مقياسًا كافيًا لفهم حالته الاقتصادية؛ فالمعيار الحقيقي هو ما يتبقى له بعد النفقات، ومدى انتظام العمل، وقدرته على تغطية احتياجات أسرته الأساسية.

أما حين يُعتقل العامل أو يُمنع من مواصلة عمله، فإنه لا يخسر يومية ذلك اليوم فقط، بل قد يخسر أجر أيام أخرى، ويتحمل نفقات إضافية، ويعود إلى منزله مثقلًا بالقلق والخوف والإحراج.. ,  وقد يكون قد استدان لتأمين احتياجات أسرته، أو وعد أطفاله بشراء شيء ينتظرونه، ثم يجد نفسه عاجزًا عن الوفاء بوعده.

وهكذا تتحول الإجراءات غير الواضحة، إن وجدت، إلى تكلفة اقتصادية يدفعها الأضعف، فيما لا تظهر هذه التكلفة في أي حساب رسمي، ولا تُحتسب ضمن أعباء الفقر والبطالة والعمل غير المستقر.

خامسًا: ماذا يحدث في نفس العامل حين يُهان مصدر رزقه؟

لا يمكن فهم هذه الظاهرة من زاوية القانون والاقتصاد وحدهما؛ فهناك جرح نفسي واجتماعي قد يكون أعمق من خسارة الأجر نفسه.

العامل الذي يخرج من بيته طالبًا الرزق الحلال يحمل في داخله إحساسًا بالمسؤولية تجاه أسرته.. ,  وقد يتحمل حرارة الصيف وبرد الشتاء وآلام الظهر واليدين لأنه يرى في عمله كرامته واستقلاله وقدرته على إعالة أبنائه.

لكن ماذا يحدث حين يجد نفسه موقوفًا أو مطاردًا، بينما يشعر بأن جهده لا يُقدَّر، وأنه يُعامل باعتباره متهمًا قبل أن تُعرف حقيقة دوره؟

قد يتحول التعب الجسدي إلى شعور بالمهانة، وقد يتسلل الخوف إلى نفسه، وقد يفقد ثقته بالمؤسسات الحكومية والاجهزة الامنية التي يفترض أن تنظم الحياة وتحمي الحقوق.. ,  ومع تكرار مثل هذه التجارب، يمكن أن ينمو الإحباط، ويتحول الإحساس بالعجز إلى غضب مكتوم، لا لأنه يرفض القانون، بل لأنه يريد أن يرى القانون عادلًا وواضحًا ومنصفًا.

والأخطر من ذلك أن تنتقل هذه المشاعر إلى الأبناء؛ فالطفل الذي يرى والده يعود من العمل متعبًا، ثم يسمع أنه اعتُقل أو مُنع من كسب رزقه، قد يبدأ في النظر إلى العمل بوصفه طريقًا إلى الإذلال بدلًا من أن يكون سبيلًا إلى الكرامة.

وهذه خسارة اجتماعية لا تقل خطورة عن الخسارة المادية؛ لأن المجتمع الذي يفقد ثقته بعدالة مؤسساته يزداد اغترابًا عن الدولة، ويصبح أكثر قابلية لتصديق الشائعات والاتهامات، وأقل استعدادًا للتعاون مع المؤسسات الرسمية.

سادسًا: البناء في الأراضي الزراعية.. من المسؤول عن المشكلة الأصلية؟

لا بد من التمييز بين قضيتين متداخلتين: الأولى هي التجاوز على الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مناطق سكنية خارج الضوابط القانونية، والثانية هي الطريقة التي تُدار بها هذه المخالفات، ومدى عدالة الإجراءات المتخذة بحق الأطراف المعنية.

إن حماية الأراضي الزراعية ليست ترفًا، ولا يجوز الاستهانة بها؛ فالتوسع العمراني غير المنظم قد يهدد الأراضي المنتجة، ويزيد الضغط على شبكات الماء والكهرباء والمجاري والطرق، ويخلق أحياء تفتقر إلى الخدمات والتخطيط السليم.

لكن من الضروري أيضًا أن نسأل: لماذا يتجه المواطن أصلًا إلى البناء في مناطق زراعية؟ هل يعود ذلك إلى ارتفاع أسعار الأراضي السكنية، وضعف القدرة الشرائية، ونقص الوحدات السكنية المناسبة، واتساع الفجوة بين دخول المواطنين وأسعار العقارات؟

لا يمكن اتخاذ هذه الأسئلة مبررًا لمخالفة القانون، لكنها ضرورية لفهم جذور الظاهرة ومعالجتها.. ,  فحين يصبح امتلاك بيت نظامي بعيد المنال عن ذوي الدخل المحدود، تتسع الضغوط التي تدفع بعض الناس إلى البحث عن بدائل خارج السوق السكنية المنظمة.

وهنا تقع مسؤولية الدولة في اتجاهين متكاملين: حماية الأراضي الزراعية ومنع التجاوزات وفق القانون، والعمل في الوقت نفسه على توفير بدائل سكنية معقولة، وتوسيع مشاريع الإسكان، وتنظيم التوسع الحضري، وتبسيط إجراءات التراخيص المشروعة.

أما معالجة المشكلة عبر ملاحقة العمال وحدهم، إن حدثت، فلن تزيل أسبابها الاقتصادية والاجتماعية، ولن تمنع بالضرورة تكرارها.. ,  فقد يُعتقل عامل اليوم، لكن عاملًا آخر سيأتي غدًا ما دام الطلب على البناء قائمًا، وما دامت أسباب التجاوز لم تُعالج معالجة شاملة.

سابعًا: حين يتحول الفقير إلى هدف سهل

ثمة مفارقة أخلاقية مؤلمة في هذا المشهد: العامل الذي لا يملك أرضًا ولا منزلًا ولا رأس مال، والذي يكدح من الصباح إلى العصر لقاء أجر محدود، يجد نفسه أحيانًا في مواجهة مباشرة مع الإجراءات الأمنية وعناصر الشرطة ؛ بينما تبقى الأسئلة الأكبر معلقة بشأن مالك المشروع، ومصدر المخالفة، والتراخيص، والجهات المسؤولة عن التنظيم والرقابة.

ليس المطلوب إعفاء أي طرف من القانون، ولا اتهام الشرطة أو جميع العاملين في المؤسسات الأمنية بالتجاوز.. ,  فهناك واجبات قانونية ينبغي تنفيذها، وقد تكون لدى بعض المواقع مخالفات تستدعي إجراءات رسمية.. ,  لكن المطلوب هو أن تكون هذه الإجراءات معلنة ومحددة ومتناسبة مع المخالفة، وأن تخضع للمراجعة والرقابة، وألا تتحول السلطة التنفيذية إلى مصدر خوف للعامل الذي لا يعرف حتى سبب توقيفه.

إن احترام رجل الأمن لا يتعارض مع مساءلة أي موظف يسيء استخدام صلاحياته، كما أن احترام القانون لا يتعارض مع المطالبة بالعدالة والشفافية.. ,  بل إن هذه المبادئ هي التي تمنح المؤسسات قوتها وثقة الناس بها.

ومن هنا تبرز أهمية قنوات الشكوى الرسمية، والرقابة على السيطرات، والتحقيق في ادعاءات الرشوة والتمييز، وتوثيق أوامر منع دخول مواد البناء، وإتاحة الاعتراض القانوني على الإجراءات التي يرى المتضرر أنها غير مبررة.

ثامنًا: ما الحل؟ القانون العادل لا يكتمل بالعقوبة وحدها

إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب خطوات عملية، لا بيانات عامة ولا حملات مؤقتة.

أولًا، إعلان الضوابط القانونية الخاصة بالبناء في الأراضي الزراعية، وتحديد المناطق المشمولة بالمنع، وشروط إدخال مواد البناء، والجهات المخولة بإصدار الموافقات، حتى لا يبقى المواطن أسير الاجتهادات والتفسيرات المتضاربة.

ثانيًا، التحقيق الجاد في أي ادعاءات موثقة بشأن الرشوة أو الانتقائية في تطبيق الإجراءات، مع حماية المشتكين والشهود، وعدم تحويل الاتهامات المتداولة إلى أحكام مسبقة على أفراد أو مؤسسات.

ثالثًا، تحديد المسؤولية القانونية لكل طرف بحسب دوره، والتمييز بين صاحب الأرض وصاحب المشروع والمقاول والعامل، وعدم اتخاذ الاعتقال إجراءً تلقائيًا لمجرد وجود العامل في موقع مخالف، بل وفق أساس قانوني واضح.

رابعًا، توفير بدائل سكنية ميسرة لذوي الدخل المحدود، وتوسيع التخطيط العمراني النظامي، ومعالجة الأسباب التي تجعل البناء غير المنظم خيارًا يلجأ إليه بعض المواطنين.

خامسًا، تعزيز حماية العمال اليوميين، وضمان حقوقهم في الأجر المتفق عليه، والسلامة المهنية، وعدم تحميلهم خسائر لا علاقة لهم بها، مع توفير آليات واضحة لتقديم الشكاوى والحصول على المشورة القانونية.

سادسًا، إنشاء رقابة فعالة على الإجراءات الميدانية، بحيث يستطيع المواطن معرفة سبب المنع أو التوقيف والجهة التي أصدرت القرار، ويستطيع الاعتراض عليه من دون خوف أو حاجة إلى وساطة.

إن الدولة القوية ليست تلك التي تستطيع اعتقال العامل الضعيف فحسب، بل تلك التي تستطيع تطبيق القانون على الجميع، وتحمي الأراضي الزراعية، وتمنع الفساد، وتوفر السكن والعمل الكريم، وتضمن ألا يصبح الفقر سببًا إضافيًا للتعرض للظلم.

خاتمة: من يحمي العامل الذي لا يملك إلا عرقه؟

لنتخيل عاملًا يقف عند السادسة صباحًا، يحمل أدواته البسيطة، ويودع أسرته على أمل العودة في الرابعة عصرًا ببضعة آلاف من الدنانير.. ,  يعمل تحت الشمس أو في البرد، يرفع الطابوق، ويخلط الإسمنت، ويقاوم آلام جسده، ثم يفاجأ بمفرزة تقتاده بعيدًا عن موقع عمله، فلا يعرف إن كان سيعود إلى منزله مساءً، ولا كيف سيؤمّن طعام أطفاله إذا خسر أجره.

في تلك اللحظة، لا يكون السؤال عن عامل بناء وحده، بل عن معنى العدالة الاجتماعية، وعن العلاقة بين الدولة والمواطن، وعن قيمة الإنسان حين يكون فقيرًا ولا يمتلك وسيلة للدفاع عن نفسه.

إننا لا نطالب بالتجاوز على الأراضي الزراعية، ولا بتعطيل القانون، ولا بمنح المخالفين حصانة.. ,  إنما نطالب بقانون يُطبَّق على الجميع، وبإجراءات لا تُفرغ العدالة من معناها، وبمؤسسات تحاسب المخالف الحقيقي، وتكشف الفساد إن ثبت، وتحفظ كرامة العامل الذي لا يريد من الدنيا سوى فرصة عمل شريف يعود منها إلى أطفاله سالمًا.

فإذا كان صاحب المشروع مسؤولًا عن مخالفة، فليُحدَّد دوره وفق القانون.. ,  وإذا كانت هناك رشوة، فلتُكشف أدلتها ويُحاسَب مرتكبوها.. ,  وإذا كانت الإجراءات صحيحة، فلتكن واضحة ومعلنة وعادلة… ؛  أما أن يبقى العامل الحلقة الأضعف، وأن تتحول يوميته القليلة إلى معركة مع الغلاء والخوف والملاحقة، فذلك يفتح جرحًا في ضمير المجتمع قبل أن يكون مشكلة في موقع بناء.

العامل الذي يكدح ثماني ساعات من أجل عشرين ألف دينار لا يطلب امتيازًا، ولا حصانة من القانون؛ إنه يطلب فقط ألّا يتحول فقره إلى تهمة، وألّا يصبح عرقه ثمنًا يدفعه عن أخطاء لم يرتكبها.

فمن يحمي هذا العامل؟ ومن يضمن أن القانون لا يتغير بتغير النفوذ والقدرة على الدفع؟ وأين هي العدالة التي ينبغي أن يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية، لا أن يسمع عنها في الخطب والبيانات الرسمية فقط ؟

إن كرامة الدولة تبدأ من كرامة مواطنها الأضعف، والعدالة الحقيقية تُختبر عندما يقف الفقير أمام السلطة، لا عندما يقف القوي أمام الكاميرات.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت