عندما يتحول الخصم إلى عدو… مؤشرات النهاية في النظام الايراني : منى سالم الجبوري

لم تعد الخلافات داخل نظام ولاية الفقيه مجرد تباينات في الرأي أو تنافس بين تيارات سياسية، بل تحولت إلى صراع مفتوح يقترب من حرب تصفية متبادلة. وهذا التحول ليس حدثا عابرا، وإنمايعكس أزمة بنيوية تضرب النظام في عمقه، حيث باتت الأولويةلدى كل جناح ليست البحث عن حلول لأزمات البلاد، وإنما تحميلالطرف الآخر مسؤولية الانهيار المتسارع ومحاولة إقصائه منمعادلة السلطة.

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة لأنها لم تعد مقتصرة على تحليلات المراقبين، بل باتت الصحافة الرسمية الإيرانية نفسها تعترف بها. فقد أقرت صحيفة “إيران“ الحكومية بأن الحدود الفاصلة بين “المنافس” و”العدو” قد تلاشت، وأن الحوار السياسي حل محله التواجه، في اعتراف يكشف أن الأزمة تجاوزت الخلافات التقليدية لتصل إلى مرحلة تهدد تماسك النظام نفسه.

ويعود السبب في ذلك إلى أن أزمات النظام لم تعد قابلة للاحتواء. فالانهيار الاقتصادي، واتساع دائرة الفقر، والعزلة الدولية، والاحتجاجات الشعبية المتكررة، كلها عوامل عمقت الانقساماتالداخلية، وجعلت كل جناح يبحث عن وسيلة لإنقاذ نفسه، حتى لوكان ذلك على حساب إضعاف النظام بأكمله.

وفي قلب هذه التناقضات يقف الولي الفقيه، الذي كان ينظر إليهلعقود بوصفه الضامن لتوازن أجنحة السلطة. أما اليوم، فقدأصبح هو نفسه محورا للخلافات، بعد أن فقدت قراراته القدرةعلى احتواء الصراعات المتفاقمة. وهذا التطور يعد من أخطرالمؤشرات على دخول النظام مرحلة التفكك، لأن الأنظمة الشموليةتعتمد في بقائها على وجود مركز قادر على ضبط الصراعاتالداخلية، وعندما يفقد هذا المركز فاعليته تبدأ التناقضات بالتحولإلى صدامات يصعب احتواؤها.

وفي المقابل، لا يمكن فصل هذه الأزمة عن تصاعد النشاط المعارض داخل إيران، ولا سيما الدور الذي تؤديه منظمة مجاهدي خلق عبر شبكاتها المعروفة بـ”معاقل الانتفاضة”. فهذه الشبكات واصلت خلال السنوات الأخيرة تنظيم الأنشطة الاحتجاجية، وكسر أجواء الخوف، والحفاظ على زخم الحراك الشعبي، وهو ما دفع كبار مسؤولي النظام مرارا إلى التحذير من اتساع نفوذهاواتهامها بتأجيج الاحتجاجات. ويعكس هذا الخطاب الرسميإدراكا متزايدا بأن المعارضة المنظمة أصبحت عنصرا مؤثرا فيالمعادلة الداخلية، خصوصا مع تزايد حالة السخط الشعبي.

ولذلك، فإن تزامن الانقسام داخل السلطة مع استمرار الاحتجاجات الشعبية ووجود معارضة منظمة تمتلك خبرة سياسية وتنظيمية، يجعل الأزمة الحالية مختلفة عن سابقاتها. فالنظام لم يعد يواجه مجرد ضغوط اقتصادية أو سياسية، بل أصبح محاصرا بأزمة داخلية متفاقمة من جهة، وبمجتمع يزداد إصراراعلى التغيير من جهة أخرى.

إن التجارب التاريخية تؤكد أن الأنظمة تبدأ بالانهيار عندما تفقد قدرتها على إدارة تناقضاتها الداخلية أكثر مما تفقد قدرتها على مواجهة خصومها. وهذا ما يبدو واضحا في الحالة الإيرانية اليوم. فالصراع بين أجنحة السلطة لم يعد وسيلة لتعزيز النظام، بلتحول إلى أحد أبرز عوامل استنزافه. ومع استمرار هذا المسار،وتزايد الحراك الشعبي، وتصاعد نشاط المعارضة المنظمة، تبدوإيران مقبلة على مرحلة ستكون فيها المواجهة بين النظام والمجتمعأكثر حسما من أي وقت مضى، وهو ما يجعل الحديث عن التغييرأقرب إلى مسار سياسي متراكم منه إلى مجرد احتمال نظري.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت