« إِنَّ النَّاقِدَ المُبْدِعَ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ المُتَلَقِّيَ أَقْرَبَ إِلَى النُّصُوصِ.»
« نَقْدُ الأَيْسَرِيِّ أَعْتَبِرُهُ نَقْدًا عَاشِقًا أَوَّلًا. »
الكِتَابَةُ وَحْدَهَا مَنْ تَجْعَلُنَا نَجُوبُ الأَكْوَانَ فِي لَحَظَاتِ انْبِهَارٍ لَا يُمْكِنُ وَصْفُهَا؛ لِأَنَّهَا تَقُودُنَا إِلَى مُتْعَةِ النَّصِّ بِشَكْلٍ تِلْقَائِيٍّ، رُبَّمَا مِنْ حَيْثُ نَدْرِي أَوْ لَا نَدْرِي، إِلَّا أَنَّنَا فِي آخِرِ المَطَافِ نَسْتَسْلِمُ صَاغِرِينَ لِجَمَالِيَّاتِ النُّصُوصِ، فَنُدْرِكُ أَنَّ الكِتَابَةَ عَنْ شَخْصٍ يَسْكُنُنَا كَمَا تَسْكُنُنَا إِبْدَاعَاتُهُ بِشَتَّى تَلَاوِينِهَا، سِيَّمَا إِذَا كَانَ الأَمْرُ يَتَعَلَّقُ تَحْدِيدًا بِالشِّعْرِ.
هَكَذَا وَجَدْتُنِي أَمَامَ إِنْسَانٍ يَتَمَاهَى جَوَانِبُهُ مَعَ نُصُوصٍ وَشَخْصِيَّةِ الشَّاعِرِ العِرَاقِيِّ عِصْمَتِ شَاهِينِ دُوسْكِي، سِيَّمَا فِي العُمْقِ الإِنْسَانِيِّ الَّذِي تَتَشَظَّى مِنْهُ إِبْدَاعَاتٌ مُوغِلَةٌ فِي تَفَاصِيلَ إِنْسَانِيَّةٍ جَعَلَتِ الصَّدِيقَ الأَيْسَرِيَّ يَتَأَبَّطُ قَلَمَ النَّاقِدِ، مُحَاوِلًا مَا اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا تَطْوِيعَ الجَانِبِ المَوْضُوعِيِّ فِي تَنَاوُلِهِ لِنُصُوصِ مُبْدِعٍ لَا يَقْتَصِرُ إِبْدَاعُهُ عَلَى الشِّعْرِ فَقَطْ، بَلْ مُتَجَاوِزًا الحَبِيبَ الأَوَّلَ، وَمُعَانِقًا أَجْنَاسًا أَدَبِيَّةً وَفَنِّيَّةً أُخْرَى.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّاقِدَ / المُبْدِعَ لَا يَسْتَطِيعُ التَّخَلُّصَ مِنَ الذَّاتِيِّ الَّذِي يَسْكُنُهُ؛ لِأَنَّهُ، بِشَكْلٍ مِنَ الأَشْكَالِ، سَقَطَ فِي حِبَالِ حُبِّ نُصُوصٍ رُبَّمَا يَعْتَبِرُهَا بِشَكْلٍ ضِمْنِيٍّ جُزْءًا مِنْهُ، أَوْ بِالأَحْرَى يَعْتَبِرُهَا قَرِينًا لِذَاتِهِ المُبْدِعَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ هِيَ الأُخْرَى الخَلَاصُ مِنَ الذَّاتِ النَّاقِدَةِ.
وَلَعَمْرِي، هَذَا مَا يَجْعَلُ النَّاقِدَ، فِي تَقْدِيرِنَا، إِلَى نَاقِدٍ / نَاقِدٍ وَنَاقِدٍ / مُبْدِعٍ، عَلْمًا أَنَّ تَبَنِّيَ النَّقْدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُبْدِعِ يَجْعَلُهُ أَكْثَرَ انْصِهَارًا مَعَ النُّصُوصِ مِنَ النَّاقِدِ / النَّاقِدِ الَّذِي أَعْتَبِرُهُ شَخْصِيًّا نَاقِدًا مِيكَانِيكِيًّا، يَتَفَنَّنُ فِي اسْتِحْضَارِ الأَدَوَاتِ النَّقْدِيَّةِ الإِجْرَائِيَّةِ بِشَكْلٍ مُتَمَرِّسٍ، إِلَّا أَنَّ النَّاقِدَ المُبْدِعَ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ المُتَلَقِّيَ أَقْرَبَ إِلَى النُّصُوصِ؛ لِأَنَّهَا تَهِيمُ فِي الذَّاتِيَّةِ؛ الذَّاتِ الكَاتِبَةِ وَالذَّاتِ المُنْكَتِبَةِ، وَهَذِهِ الأَخِيرَةُ تَصِيرُ بِقُدْرَةِ الانْصِهَارِ ذَاتِيَّةً فِي وَاحِدَةٍ..
وَلَعَلَّ النَّاقِدَ يُقِرُّ عَلَى أَنَّ المُبْدِعَ، مِنْ خِلَالِ قِرَاءَةِ نُصُوصِهِ، بَدَا لَهُ عَصِيًّا عَلَى تَنَاوُلِهِ نَقْدًا مِنْ قِبَلِ بَاقِي النُّقَّادِ، وَنَظَرًا لِتَقَرُّبِهِ مِنْهُ وَالذَّوَبَانِ فِي نُصُوصِهِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ إِلَى مَا يُقِرُّ بِهِ مِنْ حُبٍّ مُتَبَادَلٍ بَيْنَهُمَا، جَعَلَهُ أَقْرَبَ إِلَى تَنَاوُلِ نُصُوصِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ وَهَذَا الأَمْرُ يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ رَأْيٍ، وَإِلَّا فَالخَوْفُ كُلَّ الخَوْفِ أَنْ تَطْغَى عَلَيْهِ الذَّاتِيَّةُ عَلَى حِسَابِ المَوْضُوعِيَّةِ، فَتُسْقِطَهُ لُعْبَةُ النَّقْدِ فِي النَّقْدِ الإِخْوَانِيِّ المَجْبُولِ عَلَى المُحَابَاةِ، وَهَذِهِ وِجْهَةُ نَظَرٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا كَوْنِيًّا..
وَمِنْ خِلَالِ تَتَبُّعِي لِتَنَاوُلِ نُصُوصِهِ، بِمُحَاوَلَةِ تَجَاوُزِ بَاقِي النُّقَّادِ القُدَامَى وَكَذَا الجُدُدِ، أُمُورٌ جَعَلَتْنِي فِي مَوْقِفِ نَقْدِ النَّقْدِ بِامْتِيَازٍ، مُقَدِّرًا مَدَى المَحَبَّةِ المُتَبَادَلَةِ بَيْنَ المُبْدِعِ وَالنَّاقِدِ، عَلْمًا أَنَّنِي أَدْرَكْتُ فِي آخِرِ المَطَافِ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي ذَاتِ الحَرْفِيَّةِ الوَاحِدَةِ، أَيْ كَوْنُهُمَا مُبْدِعَيْنِ وَنَاقِدَيْنِ مَعًا، وَهَذَا مَا يَشْفَعُ لَهُمَا بِهَذِهِ القِرَاءَةِ، وَيَجْعَلُنِي طَرَفًا ثَالِثًا، حَتَّى لَا أَقُولَ حَكَمًا، لِأُصَرِّحَ أَنَّ نَقْدَ الأَيْسَرِيِّ أَعْتَبِرُهُ نَقْدًا عَاشِقًا أَوَّلًا، وَثَانِيًا، هَذَا مَا سَيَفْتَحُ لَهُ مُسْتَقْبَلًا الطَّرِيقَ لِتَنَاوُلِ النُّصُوصِ، مُحَاوِلًا، كَمَا يَقُولُ النُّقَّادُ، قَبْلَ أَنْ نَنْتَقِدَ عَلَيْنَا أَنْ نُفَكِّرَ فِي قَتْلِ المُؤَلِّفِ، بُغْيَةَ أَلَّا يُشَوِّشَ عَلَيْنَا، وَمِنْ ثَمَّ يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَدْخُلَ بَابَ النَّقْدِ مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَاتٍ..
وَلَا يَسَعُنِي فِي الأَخِيرِ إِلَّا أَنْ أُثَمِّنَ المُحَاوَلَةَ الأُولَى، عَسَى أَنْ نَقْرَأَ مُسْتَقْبَلًا لِلأَيْسَرِيِّ نَقْدًا يَتَّسِعُ أُفُقِيًّا وَعَمُودِيًّا.
د. عَبْدُ السَّلَامِ فَزَّازِي
المَغْرِبُ
—
الدُّكْتُورُ عَبْدُ السَّلَامِ فَزَّازِي أُسْتَاذٌ جَامِعِيٌّ مَغْرِبِيٌّ بِكُلِّيَّةِ الآدَابِ وَالعُلُومِ الإِنْسَانِيَّةِ بِأَكَادِيرَ. عُضْوٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الاتِّحَادَاتِ الأَدَبِيَّةِ العَرَبِيَّةِ وَالعَالَمِيَّةِ.. صَدَرَتْ لَهُ العَدِيدُ مِنَ الكُتُبِ الرِّوَائِيَّةِ الأَدَبِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ فِي اليَابَانِ وَلُبْنَانَ وَالمَغْرِبِ، وَحَصَلَ عَلَى عِدَّةِ جَوَائِزَ عَرَبِيَّةٍ وَعَالَمِيَّةٍ.
مُقَدِّمَةُ كِتَابِ عِصْمَتِ الدُّوسْكِيِّ شَاعِرِ الحُبِّ وَالإِنْسَانِيَّةِ لِلأَدِيبِ المَغْرِبِيِّ صَدِيقِ الأَيْسَرِيِّ، الإِيدَاعُ 3244 / 26 D.



