شاهدتُ مقطع فيديو للرئيس الصيني خلال زيارة إلى أحد الحقول الزراعية، كان يحمل في يده سنبلة حنطة ويتحدث مع عدد من المسؤولين الذين بدا أنهم من مستشاريه. لم يكن المشهد مجرد زيارة بروتوكولية لحقل زراعي، بل كان يحمل رسالة سياسية واقتصادية واضحة تختصر جانبًا مهمًا من فلسفة الدولة الصينية في بناء قوتها.
كان حديثه، في جوهره، يدور حول فكرة بسيطة وعميقة: إذا أرادت الصين أن تكون دولة قوية، فعليها أن تمتلك زراعة متطورة تحقق أكبر قدر ممكن من الاكتفاء الذاتي، وإذا أرادت أن تكون دولة نظيفة وجميلة، فعليها أن تجعل قراها خضراء وقادرة على الإنتاج.
والأهم من ذلك أنه ربط قوة الدولة بأمن غذائها، مؤكدًا أن اعتماد الدولة على الاستيراد في غذائها الأساسي قد يجعل شعبها رهينة للآخرين، لأن ما يأتي من الخارج يمكن أن ينقطع في أي لحظة بسبب أزمة سياسية أو حرب أو حصار أو اضطراب في الأسواق الدولية.
وهنا تكمن الحكمة.
فالخبز ليس مجرد طعام، والزراعة ليست مجرد مهنة؛ إنهما جزء من الأمن الوطني واستقرار الدولة واستقلال قرارها.
ولفتني أيضًا حديثه عن الفلاح، حين ربط غنى الدولة بغنى المزارع. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها طويلًا: لا يمكن أن تكون هناك زراعة قوية إذا كان الفلاح فقيرًا، ولا يمكن أن يكون الفلاح منتجًا إذا كانت الدولة تتعامل معه بوصفه الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج.
وعندما انتهيت من مشاهدة المقطع، وجدتني أستعيد واقع بلدنا العراق، وأتساءل: كيف وصلنا إلى بلد يمتلك كل هذه المقومات الزراعية، ثم أصبح يستورد حتى بعض أبسط محاصيله الزراعية من دول الجوار؟
العراق ليس بلدًا يفتقر إلى مقومات الزراعة. لدينا دجلة والفرات وروافدهما، والبحيرات والأهوار والينابيع والعيون، ومساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، وتربة خصبة في مناطق عديدة، وتنوع مناخي، فضلًا عن وجود الجامعات والكليات الزراعية والخبرات العلمية والفنية التي يفترض أن تكون قادرة على تطوير هذا القطاع.
ومع ذلك، فإن الزراعة العراقية تعاني منذ سنوات من مشكلات متراكمة: ضعف التخطيط، سوء إدارة الموارد المائية، تراجع الدعم، ارتفاع تكاليف الإنتاج، ضعف التسويق، منافسة المستورد، وتراجع مكانة الفلاح في السياسات الاقتصادية.
والأخطر من ذلك هو تحويل الأراضي الزراعية إلى قطع سكنية في العديد من المناطق، وكأننا لا ندرك أن الأرض التي نستهين بها اليوم قد نحتاج إلى كل شبر منها غدًا لإطعام أبنائنا.
فهل يعقل أن نقتطع الأرض الزراعية من أجل السكن، ثم نستورد الغذاء الذي كان يمكن أن تنتجه تلك الأرض؟
هذه ليست قضية فلاح وحده، وإنما قضية مجتمع ودولة وأمن غذائي ومستقبل أجيال.
ماذا قال المتابعون؟
ما أثار اهتمامي أكثر من مضمون الفيديو نفسه هو النقاش الذي دار بين المتابعين. فقد قال أحدهم إنه يعتبر الرئيس الصيني بمثابة «نبي لشعبه» لأنه يعمل على تحسين مستوى معيشة مواطنيه، فرد عليه آخر بأن محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء، فجاء رد ثالث ساخرًا بالقول إن «معايير النبوة باتت تختلف عن السابق».
ورغم غرابة هذا الحوار، فإنه يكشف مشكلة أعمق: كيف أصبح المسؤول الذي يؤدي واجبه الطبيعي تجاه شعبه يبدو في نظر بعض الناس وكأنه يقوم بعمل خارق يستحق وصفه بالنبوة؟
المسؤول ليس نبيًا، ولا ينبغي أن يكون كذلك.
المسؤول موظف عام مؤتمن على إدارة موارد الدولة وخدمة المواطنين. وإذا نجح في أداء واجبه، فذلك ليس فضلًا منه، بل حق للشعب عليه.
وفي تعليق آخر، أشار أحد المتابعين إلى أن كثيرًا من التقنيات والآلات الزراعية التي تصل إلى بلداننا ذات منشأ صيني، وأن الصين أصبحت منافسًا قويًا في مجال الزراعة والتقنيات المرتبطة بها، وساعدت مناطق كثيرة على تحقيق قدر أكبر من الاعتماد على الذات.
وهنا أيضًا درس آخر: الدول لا تتقدم بالشعارات، وإنما بالعلم والتكنولوجيا والإنتاج.
وعلق آخر منتقدًا سياسات المسؤولين عندنا، معتبرًا أن بعض الإجراءات التي تُتخذ تؤدي عمليًا إلى تدمير الزراعة، ومنها توزيع الأراضي الزراعية كقطع سكنية على حساب الإنتاج الزراعي.
وهذا النقد، إذا أُخذ بعيدًا عن التشنج السياسي، يستحق أن يُناقش بجدية. فليس المطلوب منع المواطنين من الحصول على السكن، وإنما المطلوب أن تكون هناك سياسة عمرانية وزراعية متوازنة تمنع التوسع العشوائي على حساب الأراضي المنتجة، وتوفر في الوقت نفسه حلولًا سكنية حقيقية.
أين اختفت زيارات المسؤولين إلى الحقول والمعامل؟
ومن بين التعليقات التي استوقفتني سؤال أحد المتابعين:
لماذا لم نعد نرى، منذ زمن طويل، زيارات وزرائنا ورؤسائنا إلى معامل الإنتاج، والحقول الزراعية، والمدارس، والمستشفيات، وغيرها من قطاعات الحياة التي تمس المواطن مباشرة؟
سؤال مشروع.
فالمسؤول الذي يريد أن يعرف حقيقة بلده لا يكفيه أن يجلس في مكتبه ويستمع إلى التقارير المعدة له. عليه أن ينزل إلى الميدان، ويرى الفلاح في حقله، والعامل في مصنعه، والطبيب في مستشفاه، والمعلم في مدرسته، ويسمع منهم مباشرةً ما يعانونه.
الزيارة الميدانية ليست صورة إعلامية؛ إنها أداة من أدوات الحكم الرشيد.
وعندما يحمل رئيس دولة سنبلة حنطة بيده ويتحدث عن مستقبل الزراعة، فهو لا يمسك سنبلة فقط، بل يمسك رمزًا للأمن الغذائي والسيادة والاستقلال الاقتصادي.
«حسبي الله ونعم الوكيل» لا تكفي
ومن التعليقات ما قال صاحبه: «حسبي الله ونعم الوكيل» من هؤلاء السياسيين الذين يحكموننا.
فرد عليه آخر برد يستحق التأمل: لماذا نترك واجباتنا لله ولا نحاول نحن أن نؤدي دورنا كمواطنين؟ لقد أعطانا الله العقل لكي نفكر ونتصرف ونحاسب ونطالب بحقوقنا.
وهنا أجد أن الرد الثاني أكثر واقعية.
الدعاء لا يتعارض مع العمل، لكن لا يمكن أن يكون الدعاء بديلًا عن المسؤولية.
فإذا كان المواطن لا يعجبه أداء مسؤول فليوجه إليه النقد، وإذا أخطأ المسؤول فليُحاسب وفق القانون، وإذا فشلت سياسة معينة فليُطالب بتغييرها، وإذا كان هناك فساد فليُكشف، وإذا كانت هناك قرارات تضر بالزراعة والفلاح فعلى المجتمع والإعلام والبرلمان والمؤسسات المختصة أن يناقشوها ويقاوموا آثارها بالوسائل القانونية.
فليس من الحكمة أن نترك كل شيء لله، ثم نذهب بأموالنا إلى السوق ونبحث عن المنتجات المستوردة التي كان يمكن لبلدنا إنتاجها.
الصين لم تصبح قوية بالصدفة
الصين لم تصبح قوة اقتصادية كبرى لأنها تملك عددًا كبيرًا من السكان فقط، ولا لأنها تملك موارد طبيعية استثنائية في كل المجالات، وإنما لأنها بنت منظومة تقوم على التخطيط، والعلم، والعمل، والإنتاج، والتكنولوجيا، والاستثمار في الإنسان، وحماية القطاعات الاستراتيجية.
والزراعة واحدة من هذه القطاعات.
أما العراق، فالمشكلة ليست في غياب الإمكانات بقدر ما هي في غياب الإدارة الرشيدة واستمرار السياسات المتخبطة وتراكم الأخطاء دون مراجعة حقيقية.
ليس المطلوب أن نقلد الصين في كل شيء، فهذا غير ممكن ولا مطلوب. لكن يمكننا أن نتعلم من تجربتها أن الدولة التي تريد أن تكون قوية لا تنتظر غذاءها من الخارج، ولا تسمح بأن يتحول فلاحها إلى شخص يترك أرضه لأنه لم يعد قادرًا على تحقيق دخل يوفر له حياة كريمة.
نحن لا نحتاج إلى معجزة زراعية.
نحتاج إلى قرار سياسي يؤمن بأن الزراعة قطاع استراتيجي، وإلى خطة طويلة الأمد للمياه، والبذور، والأسمدة، والميكنة، والتسويق، والتصنيع الغذائي، وحماية المنتج المحلي، ودعم الفلاح، ومنع التجاوز على الأراضي الزراعية المنتجة.
السنبلة التي يجب أن نراها في يد مسؤولينا
ربما تكون أجمل صورة في ذلك الفيديو هي صورة المسؤول وهو يمسك سنبلة حنطة.
وأتمنى أن نرى يومًا مسؤولينا في العراق وهم يحملون السنبلة نفسها، لا من أجل التقاط صورة، وإنما من أجل أن يسألوا:
من زرعها؟
كم كلفته زراعتها؟
كم حصل عليها؟
من يشتري محصوله؟
لماذا يترك بعض الفلاحين أرضهم؟
كم نستورد من الغذاء الذي نستطيع إنتاجه؟
ولماذا لا تكون هذه الأرض قادرة على إطعام أهلها؟
حين يصبح هذا النوع من الأسئلة جزءًا من سياسة الدولة، سنكون قد بدأنا فعلًا في بناء عراق قوي.
فالعراق الذي يستورد غذاءه، ويهمل أرضه، ويدفع فلاحه إلى ترك الزراعة، لن يكون آمنًا اقتصاديًا مهما ارتفعت إيراداته النفطية.
أما العراق الذي يعيد الاعتبار إلى أرضه وفلاحه ومياهه وعلمه وإنتاجه، فسيكون قادرًا على استعادة جزء كبير من قوته.
وفي النهاية، الدول لا تُقاس فقط بما تستخرجه من باطن الأرض، وإنما بما تنتجه فوقها.
والسنبلة التي يحملها المسؤول بيده قد تكون صغيرة في حجمها، لكنها تختصر حكاية وطن كامل:
إما أن نزرع لنأكل ونستقل، أو نستمر في الاستيراد حتى يصبح خبزنا قرارًا بيد الآخرين.



