في صراع هذا العالم المضطرب ، ثمة حروب لا تكتفي بما تحصده المدافع من أجساد ولا بما تتركه الصواريخ من خراب في المدن ، إنها تبحث عن مواضع أخرى في جسد الدولة حيث تتشكل القرارات وتصنع أدوات القوة وتتحول المعرفة الصناعية إلى قدرة على تغيير موازين الميدان ، وحين يصبح مدير شركة هدفا محتملا لعملية ” اغتيال ” فإن السؤال يتجاوز أمن شخص بعينه ، ليقترب من طبيعة الحرب نفسها ، وهي : هل انتقلت المواجهة من استنزاف الجيوش إلى استهداف العقول التي تمدها بأسباب البقاء؟
فقد صدرت مؤخرا معلومات من خمس وكالات استخبارات أوروبية عن تحذيرات من تصاعد مخاطر استهداف قيادات في شركات الصناعات الدفاعية الأوروبية ، ولا سيما الشركات المرتبطة بإنتاج الطائرات المسيرة ومكوناتها والتقنيات العسكرية التي تحتاج إليها أوكرانيا ، ووفق تلك التحذيرات فإن الأجهزة الأمنية الأوروبية تخشى اتساع أنشطة التخريب والعمليات السرية المنسوبة إلى الاستخبارات العسكرية الروسية ، في مسعى محتمل لإضعاف الدعم الغربي ” لكييف ” ، الا أن أهمية هذا التحذير لا تكمن في فداحة الاحتمال فقط بل في توقيته أيضا ، فبعد سنوات من الحرب لم تعد خطوط المواجهة مرسومة فوق خرائط الجبهات بل تمتد إلى المصانع ومراكز الأبحاث وسلاسل الإمداد ، حيث تتحدد قدرة الدول على مواصلة القتال أو استنزاف خصومها ، ولذلك ومن هنا تحديدا يصبح العامل الصناعي جزءا من المعادلة الاستراتيجية وتغدو الشركة التي تنتج الذخيرة أو تطور الطائرات المسيرة أكثر من مؤسسة اقتصادية ، تصبح حلقة في منظومة الردع ، وعقدة في شبكة المصالح العسكرية والسياسية
والأكثر دلالة في ذلك السابقة التي تعود إلى يوليو 2024 ، حين كشفت حينها تقارير إعلامية أبرزها تقرير لشبكة ” سي إن إن ” عن مخطط اغتيال مزعوم استهدف ” أرمين بابيرغر ” الرئيس التنفيذي لشركة ” راينميتال ” الألمانية ، إحدى أبرز شركات الصناعات الدفاعية في أوروبا ، وبحسب تلك التقارير فقد اكتشفت الاستخبارات الأمريكية مؤشرات على المخطط وأبلغت السلطات الألمانية التي اتخذت بدورها إجراءات لحمايته وإحباطه ، وفي يناير 2025 أعلن مسؤول في حلف شمال الأطلسي أن التهديدات التي طالت رئيس الشركة تدخل ضمن نمط أوسع من أعمال التخريب والأنشطة العدائية التي واجهتها دول الحلف ، حيث كانت دلالة القضية أعمق من محاولة استهداف مسؤول تنفيذي ، فالشركة تنتج ذخائر ومعدات عسكرية ذات أهمية للدعم الأوروبي لأوكرانيا ، وبناء على ذلك ظهر احتمال أن تصبح القيادة الصناعية نفسها جزءا من ساحة الصراع ، وأن تتحول حماية الأفراد إلى مسألة تتصل باستمرارية الإنتاج وثقة المستثمرين وقدرة الحكومات على الوفاء بالتزاماتها الدفاعية
ولهذا فأن التحذير نفسه اليوم عبارة عن رسالة استراتيجية ، فحين تعلن أجهزة الأمن عن مخاطر محتملة فإنها تنبه الشركات إلى ضرورة الحماية وتضغط على الحكومات لتنسيق جهودها وتوجه إنذارا إلى الجهات التي قد تفكر في تنفيذ عمليات سرية ، وفي الوقت ذاته يمكن أن يتحول الخوف إلى أداة ضغط حتى من دون وقوع اغتيال ، إذ يكفي أن يشعر المدير بأن حياته مهددة أو أن ترى شركة ناشئة أن كلفة الحماية باتت تفوق قدرتها حتى تتردد في قبول عقود مرتبطة بأوكرانيا ، وهنا يصبح الأثر النفسي جزءا من الأثر الاستراتيجي ، ومن هذا المنظور يمكن أن تتخذ خطوات التصعيد المحتملة مسارات متوازية ، في : تشديد الحماية على قيادات الشركات ومواقع الإنتاج ، وتوسيع تبادل المعلومات بين أجهزة الاستخبارات الأوروبية ، وزيادة التحقيقات في التخريب والهجمات السيبرانية ، بالإضافة إلى فرض إجراءات مضادة على شبكات يشتبه في ارتباطها بعمليات سرية ، كما وقد تتجه الحكومات أيضا إلى رفع جاهزية منشآت الصناعات الدفاعية ، فيما يمكن أن تؤدي حوادث جديدة إذا ثبت ارتباطها بجهة حكومية إلى مزيد من العقوبات أو الطرد الدبلوماسي أو المواجهات السياسية
أما إذا أفضت عملية إلى سقوط ضحايا أو ألحقت أضرارا جسيمة ببنية حيوية ، فقد يرتفع مستوى الأزمة وإن لم يكن ذلك يعني تلقائيا اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة ، ففي نهاية المطاف تكشف هذه القضية عن هشاشة الحدود بين الحرب والسلم حين تصبح المصانع والأفراد والشبكات المدنية امتدادا للصراع ، فالمعركة على السلاح قد تتحول إلى معركة على من يصنعه ثم إلى معركة على إرادة من يقرر بيعه وبذلك على شعور المجتمع كله بالأمان ، وحين يستهدف العقل الذي يدير ” ترسانة ” فإن الرسالة لا تتوقف عند باب مكتبه بل تحاول الوصول إلى كل من يقف خلفه ، من المهندس إلى العامل ومن المستثمر إلى الحكومة
ليبقى السؤال الأكثر إلحاحا في ذلك : هل تستطيع أوروبا حماية قدرتها على الدفاع عن نفسها من دون أن تتحول مجتمعاتها إلى فضاء دائم للارتياب والتعبئة الأمنية ؟ ، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في حماية الأفراد وحدهم بل في منع الخوف من أن يصبح سلاحا يحقق ما تعجز عنه القوة العسكرية ، أي أن يدفع أصحاب القرار إلى التراجع قبل أن تطلق رصاصة واحدة .




