قبر البنت في الموصل بين هوية المعلم الأثري ودلالات التسمية الشعبية : دلشاد نعمان

يُعد قبر البنت (أو «قبغ البنت» باللهجة الموصلية) أحد أبرز المعالم التراثية في مدينة الموصل القديمة، الواقع في منطقة باب سنجار على الساحل الأيمن [1]، ورغم الشهرة الشعبية التي اكتسبها تحت هذا الاسم، يؤكد إجماع المصادر التاريخية والأثرية الموثوقة أنه مرقد المؤرخ الإسلامي عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري، المعروف بـابن الأثير (555–630 هـ / 1160–1233 م) [2]، ويُعد هذا المعلم نموذجاً للتحولات التي مرت بها المعالم الأثرية في المدن العراقية: من الدفن التاريخي إلى التسمية الشعبية المتداولة، ثم إلى التحديث الحضري في القرن العشرين، وأخيراً التدمير على يد تنظيم داعش عام 2014 [3].

وابن الأثير أشتهر بمؤلفاته الرائدة، خاصة «الكامل في التاريخ» (أحد أهم المراجع التاريخية الإسلامية بعد الطبري) وأيضا (الباهر في الدولة الأتابكية)، حيث عاصر صلاح الدين الأيوبي ولازمه في بعض حملاته، وتوفي في الموصل عام 630 هـ/1232-1233 م ودُفن في مقبرة باب سنجار قرب منطقة رباط الشيخ قضيب البان [4]،
كما يؤكد ذلك ياسين بن خير الله الخطيب العمري في كتابه «منية الأدباء في تاريخ الموصل الحدباء» (تحقيق سعيد الديوه جي، 1955م):
«توفي في الموصل سنة 630 هـ… ودُفن في مقبرة باب سنجار قرب منطقة قضيب البان» [5]، فيما يذكر سعيد الديوه جي (1912–2000م)، محقق الكتاب ومؤرخ الموصل، في أعماله مثل «جوامع الموصل» أن المقبرة التاريخية هي مكان الدفن الأصلي [6].

نشأ الاسم الشعبي (قبر البنت) في القرن العشرين، ولم يُذكر في أي مصدر تاريخي أقدم من هذا التاريخ، ومن أبرز الأسباب حسب المؤرخين:
– عادات التبرك المحلية: كانت بعض النساء الموصليات (خاصة الحوامل الراغبات في إنجاب أنثى) يزُرْنَ القبر ويتبركن به، مستندات إلى المثل الشعبي «البنت خاتونة البيت وحبيبة الأم»، وإلى ذلك يصف د. إبراهيم خليل العلاف (أستاذ التاريخ في جامعة الموصل) في مدونته (2023):
«هذا القبر هو مثوى المؤرخ الموصلي ابن الأثير… والعامة تسميه خطأً بقبر البنت… وسبب التسمية لا تتعدى الروايات الشعبية والقصص المتداولة بين الناس ولم تثبت صحتها التاريخية» [7].
– رواية الزائرة البريطانية (1922م): يرجع بعض الباحثين التسمية إلى زيارة كاتبة بريطانية (غالباً ما يُشار إليها بـ«مس دراور»). وقفت أمام القبر أثناء كتابتها عن المشاهد، فتجمهر الناس حولها (كونها «بنت أجنبية» جميلة)، فغلب الاسم «قبر البنت» أو «البنت مس دراور» وما تؤكد هذه الرواية مصادر تراثية موصلية محلية [8].
– الأساطير الشعبية: تتنوع بين قصص فتاة صالحة ابتلعتها الأرض، أو فتاة عابدة دُفنت مع حليها، أو روايات إيزيدية ينفيها المؤرخون صراحة كـ«من نسج الخيال» [9].

لقد ساهمت زيارات الرحالة والكتاب البريطانيين في القرن العشرين في تعزيز الوعي بالمعلم، وتُذكر زيارة «مس دراور» (1922م) كعامل رئيسي في انتشار التسمية الشعبية، وهي جزء من الاهتمام البريطاني بالتراث العراقي خلال الانتداب، فيما وثقت بعثات أثرية بريطانية معالم الموصل، لكن التركيز كان على الآثار الآشورية أكثر. ويُلاحظ أن المصادر المحلية تعتمد على هذه الزيارات لتفسير التحول الشعبي، مما يعكس التفاعل بين التراث المحلي والاهتمام الغربي بالآثار [10].
البناء الحديث والتدمير
في الثلاثينيات، أثناء توسيع الشوارع، بُنيت قبة صغيرة ولوح رخامي يوضح أنه قبر ابن الأثير (للحفاظ عليه في جزيرة وسط الشارع)، لكنه دُمر المعلم عام 2014 على يد داعش (أول معلم هُدم في الموصل)، ولم يُعاد بناؤه حتى الآن [11].

ويمثل قبر البنت حالة نموذجية للتوتر بين الذاكرة الشعبية والحقيقة التاريخية، بينما تظل التسمية الشعبية دليلاً على حيوية التراث الشفوي [12]، رغم عدم وجود أية دلالات تربط هذا المعلم بقضيب البان [13]، الذي يملك جامع باسمه بالقرب من هذا المعلم الأثري المهم.

 

المصادر:
[1] ياسين بن خير الله الخطيب العمري، منية الأدباء في تاريخ الموصل الحدباء، تحقيق سعيد الديوه جي، مطبعة الهدف، الموصل، 1955م. (متاح رقميًا على أرشيف الإنترنت).
[2] إبراهيم خليل العلاف، «قبر المؤرخ الكبير عز الدين بن الأثير»، مدونة شخصية، 16 يونيو 2023.
[3] تدمير ضريح الشيخ فتحي وقبر البنت/ قبر علي بن الأثير على يد تنظيم داعش في الموصل، مدونة أبواب نينوى ٢٠١٤
(https://gatesofnineveh.wordpress.com).
[4] ياسين بن خير الله الخطيب العمري، منية الأدباء في تاريخ الموصل الحدباء، مصدر سابق.
[5] نفس المصدر.
[6] سعيد الديوه جي، جوامع الموصل ومجموع الكتابات المحررة في أبنية مدينة الموصل، مطبعة الهدف، الموصل (دون تاريخ محدد، لكن يعود إلى منتصف القرن العشرين).
[7] إبراهيم خليل العلاف، قبر المؤرخ الكبير عز الدين بن الأثير، مصدر سابق.
[8] ويكيبيديا (الإنجليزية)، آخر تعديل 2024.
[9] إبراهيم خليل العلاف، «قبر المؤرخ الكبير عز الدين بن الأثير»، مصدر سابق.
[10] ويكيبيديا (الإنجليزية)، آخر تعديل 2024.
[11] تدمير ضريح الشيخ فتحي وقبر البنت ..، مصدر سابق.
[12] قبر ابن الأثير (قبر البنت)، مشروع المدائن.
[13] للأسف في الأونة الأخيرة هناك من يدعي العلاقة بين قضيب ألبان وقبر البنت من جهة، وبين هذا المعلم و الإيزيدية من جهة أخرى، زيفاً للحقائق ودون أي دلائل تاريخية.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت