قرية سندورا اليهودية في إمارة بهدينان : سيروان سليم شرو

​(يهود سندورا..إيزيدي بادى پيرهمدا)
​تؤكد المصادر الاجتماعية الإيزيدية وشهادات كبار السن في منطقة بهدينان أن العلاقة بين سكان القرى، بمختلف أديانهم من ئيزيديين ومسيحيين ومسلمين ويهود، كانت تقوم على أسس متينة من التعاون والتكافل الاجتماعي والعمل الشعبي الطوعي، برغم وجود حالات استثنائية ونزاعات عابرة، إلا أن النمط السائد كان المشاركة الوجدانية الكاملة في الخير والشر .إذ كان سكان القرى يحضرون أعراس بعضهم البعض، ويشاركون في مجالس العزاء، ويتبادلون التهاني والزيارات في الأعياد والمناسبات الدينية المختلفة. وقد عُرف عن يهود المنطقة، ولا سيما في قرية سندورا ( صندورا چوهى على لسان الأيزيدية) بذكاء والحنكة في التجارة وحسن التعامل، خاصة في عمليات بيع المحاصيل الزراعية وتجارة المواشي، مما جعلهم حلقة وصل اقتصادية هامة لبقية القرى. إلا أن هذا الاستقرار الاجتماعي والأمان التاريخي تعرض لهزة عنيفة بدلت أحوال المنطقة بدءاً من عام 1832م، إبان حملة “مير محمد الرواندوزي” (المعروف بمير كۆرا) الدينية والسياسية. الذي شن حملة عسكرية واسعة استهدفت إمارة بهدينان وأدت إلى إبادة وقتل وتهجير أعداد كبيرة من الإيزيديين.. كما اصطدم بفرسان ومناصري إمارة بهدينان وقتل المئات منهم، مما بث الرعب والهلع في قلوب السكان المنطقة….
وفي هذا السياق، تؤكد المصادر والمراجع الاجتماعية الإيزيدية حقيقة تاريخية هامة، وهي أن جميع القرى الإيزيدية التي كانت ممتدة بين “دهوك داسنيا” ومدينة “عمادية” .ومن أهم هذه القرى قرية پيرفات..قرية پيرومرا..قرية زیوه پيرسکئ.. قرية پير همدا بادی..قريةپير مجرمافا..قرية مام ئزدينا …
حيث اضطر هذه القرى تحت وطأة حملة مير محمد الرواندوزي، لترك قراها واللجوء إلى التلول والجبال للاختباء خوفاً من بطش عساكره. وبعد انتهاء الحملة ومقتل مير محمد الرواندوزي على يد السلطات العثمانية، لم يعَد السكان الإيزيديون إلى قراهم الأصلية، بل توزعوا؛ فمنهم من اعتنق الإسلام خوفا وبقي في القرى، بينما رفض القسم الأخر الإسلام وتوزعوا على القرى الإيزيدية المستقرة في جبل شنكال ومقاطعة شيخان، لتكون تلك الحقبة بداية التحولات الديموغرافية الكبرى في جغرافيا المنطقة.وخاصة ديموغرافية ضواحي دهوك داسنيا

​وتعد قرية سندورا (صندور) التابعة لمحافظة دهوك في إقليم كوردستان نموذجاً لهذا التاريخ الممتد، حيث تميزت بكونها واحدة من أكبر القرى التي قطنها اليهود الكورد لقرون، إذ تشير السير التاريخية إلى تعاقب المكونات عليها، وبحلول عام 1849م وُصفت بأنها قرية واسعة تضم أكثر من مئة أسرة يهودية، ومع دخول النصف الأول من القرن العشرين تحولت سندور إلى قرية يهودية بالكامل، اشتهر سكانها بزراعة الكروم والإجاص والرمان… حيث كان مرجع جميع قرى التابعة لدهوك آما قصر إمارة شيخان في باعدرا او قصر “مير ممان” في قرية پيرمما ومن ثم قصر الإمارة في العمادية، حيث كانت بهدينان تدار بروح الشراكة التاريخية تحت مظلة الإمارة. ولا ينفصل تاريخ سندورا عن دور القرى الإيزيدية المحيطة بها، مثل قرية “پيرفات” وقرية “پيرومرا” وقرية “بادى پير همد” التي كانت في الأصل قرية إيزيدية بالكامل تضم مزار (پير همدان)، إلا أن الضغوط اللاحقة أدت إلى انقسام سكان “بادى” بين من اعتنق الإسلام ومن فضل الرحيل نحو سهل موصل في قرية “دوغاتى”، وكذلك حال سكان “نيروا” الذين توجه قسم منهم إلى منطقة “لحفا قايديا” تمسكاً بهويتهم.
​وقد شهدت المنطقة فترات من الهدوء والتعايش الودي، لا سيما في ظل إمارة شيخان في عهد الأمير علي بك الثاني وميان خاتون، اللذين حافظا على السلم الاجتماعي.
أما عن المعالم الأثرية في سندورا، فما يزال الكنيست اليهودي المبني من الحجر المحلي صامداً بمدخله المقوس، كشاهد على طراز العمارة الدينية الكوردستانية. ورغم الهزات السياسية التي تلت استقلال العراق عام 1932 وأحداث عام 1941، إلا أن شهادات كبار السن تؤكد أن الدوافع كانت غالباً ثأرية وقبلية، بدليل أن شخصيات مثل “سعيد آغا” رئيس عشيرة الدوسكي تدخلوا لحماية اليهود، كما وفرت الطرق الصوفية كالنقيشبندية في بامرني الحماية للملاحقين. إن رحيل يهود سندور النهائي نحو عام 1950 ترك فراغاً في نسيج بهدينان المتنوع، لكن ذكرى التعايش والمشاركة في الأعياد والأحزان تظل حية في ذاكرة المنطقة، مؤكدة أن المجتمع الكوردستاني كان يميل دوماً للاحتواء لولا الحملات العسكرية والتدخلات السياسية التي غيرت ملامح هذه الأرض وسكانها الأصليين.

​وفي ختام نستعرض مجموعة من الصور التي توثق الحياة في سندورا، والتي تعود للفترة ما بين مطلع القرن العشرين ومنتصف الثلاثينيات، وهي ​صورة الزيارة تعود لزيارة “بن صهيون إسرائيلي” عام 1934 أو بعثات أخرى.
. سيروان سليم شرو

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت