
قصة: المصيبة…
كان رجلٌ فقير يعمل خرّاطًا، اشتهر بمهارته في صنع الأشياء من الخشب، لكنه كان معروفًا أيضًا بإهماله وسوء عاداته؛ فقد أضاع سنوات عمره بين الشراب والكسل، ولم يعرف كيف يقدّر زوجته العجوز التي عاشت معه حياة مليئة بالتعب والفقر.
وفي مساءٍ بارد، عاد إلى بيته كعادته وقد أثقل الشراب رأسه، وبدأ يصرخ ويغضب. لكنه هذه المرة رأى في عيني زوجته نظرة لم يرها من قبل…
لم تكن نظرة الخوف المعتادة، بل كانت نظرة هادئة وغريبة، كأنها نظرة إنسان فقد كل أمل.
توقف الرجل للحظة، وشعر بأن شيئًا خطيرًا قد حدث.
وفي الصباح وجد زوجته مريضة بشدة، فاستأجر عربة، وحملها مسرعًا إلى المستشفى البعيد، متحديًا عاصفة ثلجية قاسية وطريقًا لا يكاد يُقطع.
كانت الرياح تضرب وجهه، والثلج يتطاير من كل جانب، حتى أصبح لا يرى أمامه سوى البياض. وكانت الفرس العجوز تسير بصعوبة، تجر العربة بين الثلوج الثقيلة.
جلس الرجل يقود العربة وهو يضرب الفرس بالسوط، ويقول لزوجته:
“اصبري قليلًا… سنصل إلى المستشفى، وسيعالجك الطبيب، وستعودين بخير. أقسم لك أنني لن أؤذيك بعد اليوم، وسأهتم بك.”
وبينما كان يسير، بدأ يتخيل لحظة وصوله إلى الطبيب، وكيف سيعتذر عن تأخره، وكيف سيتوسل إليه أن ينقذ زوجته.
كان يقول في نفسه:
“سيغضب مني الطبيب، لكنه سيساعدها… فهو رجل رحيم.”
ثم اقترب منها وقال:
“عندما تتحسنين سأغير حياتي كلها… سأفعل كل ما تطلبينه.”
لكنها لم تجبه.
ساد الصمت.
شعر بالخوف، ومد يده إليها بحذر…
فوجد ذراعها باردة بلا حركة.
تجمد في مكانه.
لقد ماتت.
صرخ بحزن:
“إذن فقد ماتت… يا للمصيبة!”
لم يكن ألمه فقط بسبب فقدانها، بل بسبب الحقيقة التي ظهرت أمامه فجأة.
لقد عاش معها أربعين عامًا، لكنه لم يعرف قيمتها إلا بعد أن رحلت. تذكر أيامها الأولى معه، عندما كانت شابة جميلة، وكيف كان يمكن أن يمنحها حياة أفضل، لكنه أضاع عمره في الشرب والغضب والإهمال.
وقال في نفسه:
“لو بدأت الحياة من جديد… لكنت إنسانًا آخر.”
تمنى لو عاد الزمن، لو عوّضها عن سنوات الألم، ولو منحها الحب الذي حُرمت منه.
لكن الزمن لا يعود.
أدار العربة عائدًا، والعاصفة تزداد قسوة. ظل يسير وهو غارق في الندم، حتى أنهكه البرد والتعب، فتوقفت العربة وسقط في نوم عميق.
وعندما استيقظ، وجد نفسه في المستشفى.
فتح عينيه فرأى الطبيب أمامه، فحاول أن ينهض، لكنه لم يستطع تحريك يديه أو قدميه.
قال له الطبيب:
“لقد تجمدت أطرافك من شدة البرد.”
شعر الرجل أن مصيبته اكتملت.
فقد زوجته التي لم يعرف قيمتها إلا بعد موتها، وفقد القدرة على استخدام يديه وقدميه كما كان، ولم يبقَ له سوى الندم.
نظر إلى الطبيب وقال:
“لو أُعطيت فرصة أخرى فقط… خمس سنوات لا غير، لكنت أصلحت كل شيء.”
لكن الفرصة كانت قد انتهت.
العبرة:لا تؤجل الرحمة والاهتمام بمن تحب، فبعض الندم يأتي متأخرًا، حين لا يبقى في اليد إلا الحسرة.



