مسار العلاقة بين شنگال و كوردستان من التقارب إلى التباعد : دلشاد نعمان فرحان

 

يتظاهر البعض أن موقف بعض أبناء شنگال الرافض أو المتحفظ تجاه أقليم كوردستان أمر مفاجئ أو غير متوقع، غير أن التدقيق في مسار العلاقة التاريخية والواقع السياسي المعاصر يكشف أن هذا الموقف لم ينشأ من فراغ، وإنما جاء نتيجة تراكمات طويلة من السياسات الخاطئة التي مارستها الجهات الكوردستانية، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، والتي أفرزت شعوراً عميقاً بالإقصاء وعدم التقدير.

إذ لا يخفى على المتابع المنصف الدور البارز الذي أداه الإيزيديون في الحركات التحررية الكوردية، لا سيما وإنهم قد شاركوا بفعالية في ثورة أيلول بقيادة الپارتي في ستينيات القرن الماضي، وقدموا دعماً لوجستياً ومادياً استثنائياً خلال ثورة گولان عن طريق قادة إيزيديين في الثورة، حتى قيل إن استمرارها كان مرهوناً إلى حد كبير بهذا الدعم، كما ساهموا في انتفاضة التسعينيات بتحرير اجزاء من كوردستان، و أيضا في عملية تحرير العراق عام ٢٠٠٣، ومع ذلك، فإن التعامل الرسمي مع هذه التضحيات لم يرتقِ إلى مستوى ما قدمه الإيزيديون من تضحيات.

لقد كانت الحكومات العراقية المتعاقبة تتعامل مع الإيزيديين على أنهم جزء من المكون الكوردي، فصادرت أراضيهم وأعادت توطينهم في مجمعات سكنية قسرية تفتقر الى ابسط سبل العيش كعقاب لمشاركتهم مع الحركات الكوردية، بهدف السيطرة عليهم وتقليص دورهم، ومنحت اراضيهم للعرب البدو القادمين للمنطقة، كما نُفي قادة إيزيديون في صفوف الحزب إلى جنوب العراق بعد اتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥، ولكن هل قُدّرت هذه التضحيات حق قدرها؟ وهل عومل الإيزيديون كما تُعامل حتى بقية العشائر الكوردية الأخرى التي شاركت في النضال نفسه؟! لاننا وبكل أسف نتلمس منح امتيازات لاصغر العشائر الكوردية المسلمة بعشرات المرات عن الايزيديين.

الأرقام الانتخابية السابقة تقدم مؤشراً واضحاً على حجم التحول، ففي حين كان الپارتي يحصد نسباً تفوق الثمانين في المئة من أصوات أبناء الايزيديين في فترات سابقة، فقد تراجعت هذه النسبة رويدا، وإلى أن وصل الى أقل من الثلث في الانتخابات الأخيرة، وليس من الدقة اختزال الأمر في تأثير الحشد الشعبي وحده بشنگال وبعشيقة، إذ امتد هذا التراجع حتى إلى مخيمات النازحين أنفسهم وبعض مناطق ولات شيخ، رغم وجود عشرات الآلاف من الذين كانوا يتلقون رواتب من جهات مرتبطة بالحزب فقط في شنگال.

يطرح هذا الواقع جملة من الأسئلة الجوهرية التي تستحق التأمل السياسي الجاد:
لماذا فقد الكثير من الايزيديون ثقتهم بالپارتي، رغم انهم في وقت سابق لم يعرفوا غيره؟
وهل بقي الحزب الديمقراطي الكوردستاني متمسكاً بالمبادئ التي تأسس عليها، أم أن معايير الولاء والإخلاص قد تحولت إلى مقاييس التملق والمصالح الشخصية؟
لماذا ترك كثير من الإيزيديين الذين ناضلوا جنباً إلى جنب مع الحزب صفوفه، بينما برزت في الواجهة شخصيات كانت في السابق تعادي المشروع الكوردستاني برمته؟
وهل كان للصراعات الحزبية الداخلية، وللأساليب الخاطئة في إدارة مناطقهم من قبل بعض المسؤولين المحليين، دور في تعميق الفجوة؟

وفي ذات الوقت لا يمكن تجاهل دور الأحزاب الكوردستانية الأخرى، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني الكوردستاني وحزب العمال الكوردستاني بتشكيلاته المختلفة، فقد ساهمت صراعاتها مع الپارتي في توسيع الشقاق بين الايزيدية وكوردستان، وذلك بدعم حركات إيزيدية مناهضة للمشروع الكوردستاني، في وقت كان فيه كثير من قيادات تلك الحركات مستعدين للانخراط في إطار كوردستاني لو توفرت لهم فرص عمل أو تعيينات بسيطة توفر لهم ولعائلاتهم الحد الأدنى من الكرامة المعيشية.

وكما هو معلوم أن من بديهيات الأعراف السياسية والعسكرية، عندما يؤدي تقصير سياسي أو عسكري إلى سقوط ضحايا مدنيين على نطاق واسع، فإن المحاسبة والاعتذار يصبحان واجباً أخلاقياً وسياسياً، فألم يكن تضحيات آلاف الإيزيديين، وسمعة المجتمع الايزيدي بعد ابادتهم في عام ٢٠١٤م، ورغم سنوات طويلة من المشاركة في النضال الكوردي، تستحق مراجعة جادة ومحاسبة للمقصرين، بل والاعتذار بجرأة منهم على التقصير بدل التبرير المخجل، من أجل أبناء ديانة كاملة؟ وهل من المناسب أن يُمنح الإيزيديون بعض حقوقهم وكأنها منّة أو صدقة، لا استحقاقاً تاريخياً؟

هذه الهواجس والملاحظات نقلت مراراً إلى أعلى المستويات داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لكن النتائج كانت في اغلبها سلبية، واليوم يبدو أن الحزب قد ابتعد، في الكثير من جوانبه، عن روح المبادئ التي تأسس عليها، ليحل محلها منطق العلاقات الشخصية والمصالح الضيقة، وهذا ما لا يبشر بخير.

من هنا، فإن موقف أبناء شنگال، وحتى أولئك الذين كانوا قريبين من الحزب في السابق، لا ينبغي أن يُستقبل بالدهشة، بل هو نتاج طبيعي لسلسلة من الأخطاء والإخفاقات في إدارة العلاقة مع مكون قدم الكثير ولم ينل ما يستحقه من تقدير ومشاركة حقيقية، وما لم يُراجع الپارتي سياساته تجاه الإيزيدية، وخاصة ما يتعلق بالتغييرات الديموغرافية في الشيخان وبقية مناطق ولات شيخ وغيرها، فإن الفجوة مرشحة للاتساع، والمواقف مرشحة لمزيد من الحدّة.

لإن إعادة بناء الثقة تتطلب أكثر من الخطابات، وتحتاج إلى اعتراف صادق بالأخطاء، ومحاسبة حقيقية، بل وإعادة الاعتبار لتضحيات الإيزيديين كشركاء تاريخيين لا كجمهور انتخابي موسمي، فبغير ذلك، سيبقى السؤال معلقاً: متى يتعظ الپارتي من دروس الماضي، ويعيد وصل ما انقطع، بعد الخسارات المتوالية؟

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت