Homeمقالاتالمجتمع بين الجماد الفكري و أتباع نظريات سامية : دلدار خلات لزكين

المجتمع بين الجماد الفكري و أتباع نظريات سامية : دلدار خلات لزكين

حين يتوغّل المرء في البحث عن استقراره المادي و المعيشي ، كبحثه عن مأوى ، أو مهنة ثابتة ، أو زوجة ، أو أطفال ، فإنه يترك وراءه نظريات أخرى غير النظرية العامية الجامدة ، تلك النظرية التي تدعو إلى التمسك بالحياة كأنها خالدة . وفي مجتمع يعاني من فقر التفاهم ، قد تُفسَّر محاولته لفعل شيء مختلف بالجهل أو السذاجة ، رغم أن السعي إلى التجديد هو ذاته وسيلة للنمو ، لكوننا نفتقر أهم عوامل الحياة ، وهي وحدات سكنية ، فلا يوجد منظور إنساني يقبل أو يوحي بأن الإنسان عليه أن يعيش متشرداً أو دون مأوى ، ووظائف شاغرة تتيح للشباب و المتخرجين القيام بوظائفهم و العودة إلى وقتهم الخاص ، سواء استغلوه لتطوير الذات أو لأي أمر آخر ، إذ إننا في مجتمع يفتقد فيه المرء الخروج دون خوف ، كأن مجتمعنا لا يزال متمسكاً بتقليد يقول : (( تمسّك بالحياة كما هي ، لا تفكّر بالتقدم أبداً ، اذهب إلى المدرسة لستة عشر عاماً ، تعلّم ألّا تتكلم دون أن ترفع يدك ، وإن لم يُطلب أحد رأيك فاخمده بداخلك ، حتى وإن كان سيحدث فارقاً كبيراً في شخصيتك أو في إعادة تفكيرهم بشخصيتهم ، ثم تخرج ، ثم عش ما بين هنا و هناك لتتخرّج ، و ما بعدها الزواج ، و البقاء مرتبطاً بمسؤوليات لربما لم تكن لتتحملها ، لربما كانت لديك أحلام أكبر من تكوين عائلة )) . حين يكسر أحدهم هذا التقليد ، يُسمّى المتخلّف أو العاق وعياً …

 

نعتبر مجتمعاً متمسكاً بالانغلاق و انسداد النمو العلمي و الوعي ، لكوننا نتمسك بأمور لا تقدّم و لا تؤخر ذرة ذهنياً أو تطورياً فينا . كنا و لا نزال نتمسك بعناصر غير ملموسة كالدين ، و الذي ينبع من الوجدان ، و لا يحتاج إلى كاهن أو رجل دين ، (( قديماً كانوا يسمون بالوسيط الروحاني بين الخالق و البشر )) . فإن لم يؤمن المرء بدين أو معتقد من ضميره أو وجدانه ، فليس لأحد حق في أن يزرعهم قسراً في أفكاره ، أو أن يفرض عليه التمسك بقضية أو دافع ما ، لن يستفيد منه مهما بذل جهداً ، نمنح الكثير من التفاهات اهتماماً لا تستحق ، و نلفت إليها أنظار ليس بداعٍ أبداً ، إذ ألفتنا تلك الأنظار لنواقص المجتمع ، لربما كان بإمكاننا أن نحدث فارقاً…

(( لا ضير من أتباع الدين ، إذ كان لا يمنع الوعي من النمو ))

 

أو لنقل الخوف في المجتمع ، شيء غير ملموس ، نعتاد عليه من الصغر ، كـالخضوع للأكبر سناً لمجرد فارق العمر ، أو أن يمتنع المرء من فعل شيء ما باسم العيب أو سيكون عاراً في المجتمع ، و تقديس عادات وتقاليد ، أن الذين وضعوها ، قتلوا آلاف ، و ملايين ، حتى وهم مرقدون في قبورهم…

 

لنكن واقعيين أكثر ، بل لنتعمق في ذروة الحديث..

 

كونفوشيوس ، لاو تسو ، أفلاطون ، سقراط ، ابن سينا و شوبنهاور ، جميعهم فلاسفة أعلنوا نظريات قلبت مفاهيم العالم رأساً على عقب ، أحدهم أعلن قواعد الأخلاق و النظام الاجتماعي ، و آخر ناشد على التناغم مع الطبيعة ، و آخر كشف سر المعاناة و الوعي .

 

العالم على مر القرون لم يثبت على حال ، كما ثبت مجتمعنا على انسداد التطور الذهني و الفكري ، فالنظريات تتبدل و الأفكار تتشكل من جديد ، لتعيد رسم فهم الإنسان لنفسه و لحياته ، لربما لمجتمعه أيضاً ، لم نخلق لنبقى أسرى نظرية أو أسلوب واقعي أبدي ، فلحظة واحدة قد تهز رؤيتنا للعالم ، فتفتح أبواباً جديدة تعكس ما عشناه قبلها و تعمقه ، نحن في عالم يستطيع فيه الخيال وحده ، أن يقودنا إلى نظريات تهز طريقة عيشنا قبلها بلحظات ، و بعض النظريات ، سامية..

الاعتماد على النظريات وحدها لا يغذي وعي الإنسان العلمي أو الروحي ؛ فبعضها يسحبنا إلى ظلمات الجهل ، و أخرى إلى هلاك الأمية ، و تبقى النقطة الأساسية و الأهم ، الاستقرار عند نقطة واحدة ، نظرية واحدة ، وعي واحد ، ذلك يعني التنازل عن حق الاستمرار ، و عن فرصة أن يعيش الإنسان فكراً نابضاً بالحياة ، طالما بإمكان المرء أن يتكلم ، أو يعبر ، يمكنه التعبير عن أفكاره و نظريات تراوده ، حتى وإن كانت بأسلوب ساذج ، أو فكاهي ، أو لربما بأسلوب غير منتظم ، قد يكون ذا نظرة تغيّره ، أو تغيير مفاهيم الذات عن بعضهم ، أو كلهم..

 

ما المغزى من أن تحيا لسبعون عاماً ، ولكنك لا تشعر بالحياة لسبع لحظات ، و ما الضير من أن تحيا لسبعة أعوام ، و كل لحظاتها مفعمة بالوعي و التجارب ، على الحياة أن تكون كبيرة وليست طويلة..

 

و خلاصة الأمر..

 

أي شيء في هذا الكون ، حين يصبح مقدساً أكثر من الإنسان ، أو حياته ، يتحوّل إلى نظرية سامية ، تمنع المجتمع من النمو ، و تعنّفه ذهنياً…

 

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular