نشر أحد الإخوة العراقيين على صفحات التواصل الاجتماعي منشوراً يستفسر فيه عن آراء العراقيين بشأن فترة حكم الرئيس العراقي الراحل أحمد حسن البكر. وقد أثار الموضوع نقاشاً واسعاً، إذ تجاوز عدد التعليقات حوالي ثمانمائة تعليق، وأشاد أكثر من 80% من المشاركين بجوانب إيجابية في تلك المرحلة، بينما انتقده آخرون، ورأى بعضهم أن فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم كانت أفضل وأكثر إيجابية.
ومن الطبيعي أن تختلف الآراء في تقييم الشخصيات والمراحل التاريخية، فالتاريخ لا يُقرأ من زاوية واحدة، ولا ينبغي أن تتحول النظرة إلى أي حاكم إلى تقديس مطلق أو إدانة مطلقة. نعم، شهدت فترة حكم أحمد حسن البكر إنجازات ومشاريع مهمة في مجالات مختلفة، ولا يجوز إنكارها، لكن من الضروري أيضاً أن نتذكر أن تلك الإنجازات، مهما كانت كبيرة، هي حق للشعب وليست مِنّةً أو فضلاً من الحاكم على المواطنين. فالعراق بلد غني بالثروات والخيرات والطاقات البشرية، وكان من الطبيعي أن تنعكس هذه الإمكانات على حياة العراقيين في صورة تنمية حقيقية وعدالة اجتماعية وخدمات ومؤسسات راسخة.
لكن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في عدد الإنجازات، وإنما في الأخطاء السياسية والاستراتيجية الكبرى التي ارتُكبت خلال تلك المرحلة، لأن أخطاء القادة لا تكون عابرة دائماً، بل قد تتحول إلى ألغام تاريخية تنفجر آثارها بعد سنوات أو عقود. ومن وجهة نظري، هناك عدة أخطاء وسلبيات أساسية تستحق التوقف عندها:
أولاً: منح صدام حسين صلاحيات ونفوذاً واسعاً
لعل من أخطر ما يُؤخذ على أحمد حسن البكر أنه سمح لصدام حسين بالصعود المتسارع داخل هرم السلطة، ومنحه نفوذاً وصلاحيات واسعة، من دون وضع حدود حقيقية لطموحه السياسي وسلوكه المتفرد بالسلطة.
وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن هذا الخطأ لم يكن بسيطاً، بل كانت له نتائج كارثية على العراق وشعبه والمنطقة بأكملها. فحين أصبح صدام حسين الحاكم المطلق، دخل العراق في سلسلة طويلة من الحروب والمغامرات والصراعات والقمع، وانتهى الأمر بدمار الدولة والمجتمع واستنزاف الثروات البشرية والاقتصادية.
كان من الممكن، لو وُضعت حدود دستورية ومؤسساتية واضحة، أن يُمنع احتكار السلطة وتحويل الدولة إلى ملكية شخصية بيد فرد واحد. لكن غياب المؤسسات القوية وترك المجال أمام صعود الشخصيات المتطرفة والطموحة كان من أخطر أخطاء تلك المرحلة.
ثانياً: الفشل في إيجاد حل عادل ودائم للقضية الكردية
القضية الكردية كانت، ولا تزال، واحدة من أهم القضايا الوطنية في العراق. وكان من الممكن معالجة هذه القضية بالحوار والاعتراف بالحقوق القومية والسياسية والثقافية للشعب الكردي، بدلاً من الاستماع إلى الأصوات القومية المتشددة وبعض السياسيين والعسكريين الذين لم يكونوا يرون في القضية إلا من منظور أمني وعسكري.
إن الحروب المتكررة بين الحكومات العراقية والحركة الكردية لم تكن مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل خلّفت آلاف الضحايا، وعمّقت مشاعر عدم الثقة، وأهدرت موارد العراق في صراعات داخلية كان من الممكن تجنبها.
ومن وجهة نظري، فإن جانباً كبيراً من المشكلات التي عانى منها العراق لاحقاً يعود إلى الفشل المبكر في بناء دولة تتسع لجميع مكوناتها وتعترف بتعددها القومي والديني والفكري.
ثالثاً: إقصاء الخصوم السياسيين وغياب التعددية
كان من الخطأ الجسيم أن تتحول السلطة إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين. فما كان ينبغي قتل الزعيم عبد الكريم قاسم وبقية الشخصيات السياسية، كما لم يكن من المفترض أن يُمنع الآخرون من ممارسة العمل السياسي والتعبير عن آرائهم.
الدولة القوية لا تخاف من المعارضة، والحزب الواثق من نفسه لا يحتاج إلى إلغاء الأحزاب الأخرى كي يستمر في الحكم. كان من الممكن السماح بالتعددية السياسية وحرية الرأي ووجود معارضة سلمية وقانونية، وأن يكون التنافس عبر صناديق الاقتراع والمؤسسات، لا عبر الانقلابات والاعتقالات والإعدامات.
إن احتكار حزب واحد للحياة السياسية كان بداية لتأسيس نظام سلطوي، وجعل الدولة والحزب والسلطة شيئاً واحداً، وهي معادلة خطيرة أدت لاحقاً إلى كوارث كبيرة.
رابعاً: فرض الفكر القومي العربي على مجتمع متعدد القوميات والأديان
كان حزب البعث يحمل اسماً وشعارات واضحة، مثل: «حزب البعث العربي الاشتراكي» و**«أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»**. لكن العراق لم يكن، ولم يكن يوماً، بلداً أحادي القومية أو الدين أو الثقافة.
فالعراق يضم العرب والكرد والتركمان والآشوريين والسريان والكلدان وغيرهم، كما يضم المسلمين والإيزيديين والمسيحيين والصابئة المندائيين وسائر المكونات الدينية والقومية.
ولهذا، لم يكن من العدل أن تُفرض هوية قومية واحدة أو أيديولوجية سياسية واحدة على جميع أبناء الوطن. فالدولة ينبغي أن تكون ملكاً لجميع مواطنيها، لا ملكاً لقومية واحدة أو حزب واحد أو دين واحد.
إن احترام هوية الأكثرية لا يعني إلغاء حقوق الأقليات، كما أن الاعتزاز بالعروبة لا يبرر إنكار وجود القوميات الأخرى. العراق كان يحتاج إلى مشروع وطني عراقي جامع، يجعل التنوع مصدر قوة، لا سبباً للصراع.
خامساً: الحاجة إلى نظام سياسي يعترف بالتعددية
ولمعالجة التعددية القومية والحزبية والفكرية والدينية، كان من الأفضل البحث عن نظام سياسي أكثر مرونة وعدالة، مثل الفيدرالية أو الحكم الذاتي أو أي صيغة دستورية تضمن الحقوق السياسية والثقافية لجميع المكونات ضمن إطار الدولة العراقية الواحدة.
إن الفيدرالية ليست بالضرورة مشروعاً للتقسيم، كما أن منح الأقاليم أو المكونات قدراً من الإدارة الذاتية لا يعني تفكيك الدولة. ففي كثير من البلدان المتعددة القوميات والثقافات، أصبحت الأنظمة الفيدرالية أو اللامركزية وسيلة للحفاظ على وحدة الدولة ومنع الصراعات الداخلية.
لقد كان العراق بحاجة إلى دولة تقوم على الشراكة الحقيقية، وعلى توزيع عادل للسلطة والثروة، وعلى احترام خصوصية جميع مكوناته.
خاتمة
إن تقييم فترة حكم أحمد حسن البكر ينبغي أن يكون موضوعياً وعادلاً. فلا يجوز إنكار الإنجازات التي تحققت، كما لا يجوز في المقابل تجاهل الأخطاء الكبيرة التي وقعت خلالها أو التقليل من آثارها التاريخية.
إن إنجاز الطرق والمصانع والمدارس والمستشفيات والمشاريع التنموية هو واجب الدولة وحق الشعب، خصوصاً في بلد يمتلك ما يمتلكه العراق من ثروات طبيعية وبشرية. لكن الإنجاز الحقيقي والأكثر أهمية هو بناء دولة مؤسسات وقانون، تحمي الإنسان وكرامته، وتحترم التعددية، وتسمح بتداول السلطة، ولا تجعل مستقبل الوطن مرهوناً بشخص واحد.
قد تكون هناك سلبيات وأخطاء أخرى يمكن الحديث عنها، لكنني أكتفي بهذه النقاط، لأنها في رأيي تمثل قضايا أساسية تركت آثاراً عميقة على مستقبل العراق.
إن قراءة التاريخ لا ينبغي أن تكون بهدف تمجيد الحكام أو شيطنتهم، بل من أجل استخلاص الدروس ومنع تكرار الأخطاء. فالشعوب التي لا تراجع تاريخها بصدق وموضوعية قد تجد نفسها، مرة أخرى، تسير في الطريق نفسه نحو الأخطاء ذاتها.
إن أعظم درس يمكن أن نتعلمه من تاريخ العراق هو أن الوطن لا يُبنى بالقوة وحدها، ولا بالشعارات، ولا بإنجازات مؤقتة، وإنما بالعدالة والحرية والمؤسسات والشراكة الحقيقية بين جميع أبنائه.

