يقول فيودور دوستويفسكي في روايته الشهيرة “الجريمة والعقاب” بما معناه:
“لا تحكم على كل يوم بالحصاد الذي تجنيه، بل بالبذور التي تزرعها”، كما يقول في نفس الرواية: “نحتاج إلى حرب أسلحتها الكتب وقادتها أهل الفكر، وضحاياها الجهل والتخلف”.
أمام الوضع المأساوي المستمر الذي يمر به المجتمع الايزيدي، رأت مجموعة متطوعة من المثقفين الايزيديين بأن الوقت يتطلب وقفة تأملية جادة، تفضي إلى حوار بناء شامل يُطلق من المهجر، حيث توجد فرصة حقيقة لتوحيد الجهود وتأسيس مؤسسات تمثيلية فاعلة من خلال عقد مؤتمر دولي لتدارس وجمع الأطراف الايزيدية كافة في قاعة واحدة، وعلى مائدة واحدة. إلاّ أن الذي حدث هو انطلاق موجة غير مسبوقة من اللغط والتشويه والتسقيط، والشخصنة، وسَوقْ الأكاذيب ضد المؤتمر المزمع عقده عامةً، وضدي خاصة، زوراً وبهتاناً على وسائل التواصل الاجتماعي.
سأخاطب وأناقش في هذا المقال عقلاء القوم وعُلِيَهم، سائلاً:
هل واقعنا الايزيدي الحالي مرضٍ لهم؟ وهل حال مجتمعنا، بثقافته ووضعه وتفاعلاته، يليق بتضحيات أجدادنا؟ وهل استمرار الصمت والتردد أمام حالات لم تعد صالحة لهذا الزمن، هو وفاء للهوية، أم جمود قاتل لها؟
ان مشروع الإصلاح الذي ندعو اليه، وتؤيدنا آلاف مؤلفة، ليس ترف فكري، بل هو نتيجة آلام وواقع مرير يمر به المجتمع الايزيدي من بعد الإبادة. مع التأكيد أن هذا المشروع لا يمس جوهر الدين، وليس ضد الطبقات الدينية، وأدرك جيداً أن وجود نظام الطبقات هي خصوصية دينية، وهو من أحد عوامل تماسك المجتمع لحد وقتنا الحاضر، وهذا ما ثبته في مقدمة كتابي “نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية” الصفحة 15، المطبوع في السويد عام 1998.
الإصلاح لا يعني نفي الماضي، بل فهمه بعين الناقد، ولا يعني قطع الصلة بالماضي قطعاً تاماً، بل غربلته وإحياء ما يصلح منه لحاضر ومستقبل مجتمعنا.
إذن، انا، ومَنْ يؤيدوني، لا ننادي بالقطيعة مع الماضي، بل بالتصالح مع الواقع، والانتقال من مجتمع منهك تعبث به المشاكل، إلى مجتمع واعٍ ومشارك في صنع مصيره، ومصير أجياله القادمة.
صحيح أن الإصلاح والتغيير يقلقان عقول بسطاء الناس الذين لم يتعودوا على هكذا مطالبات، إلاّ أن المجتمعات التي لا تجدد نفسها، تظل على هامش التاريخ. كما أن الهوية الايزيدية الحقيقية لا تضيع بالإصلاح، بل تُبعث وتتجدد، وتقوى عودها.
خطابي ليس موجهاً إلى المؤمنين الحقيقيين بعقيدتهم، فأنا أتفهم قلقهم، وأحترم ايمانهم، وإنما خطابي موجه إلى المتاجرين باسم الدين لتحقيق مصالحهم الذاتية، ولا أطالبهم أن يصفقوا لي، لكن أدعوهم أن يقرأوا مشروعنا الإصلاحي برؤية عصرية، وعقل متفتح، لا بردود فعل بعيدة عن الذوق وأبسط الأخلاقيات. وللرافضين أيضاً أقول: لا تصطفوا ضد التغيير فقط لأنكم لم تقترحوه، بل كونوا جزءًا من صنعه، إن كنتم حريصين على مجتمعكم حقًا!” بدل أن تلجأوا إلى التسقيط والشخصنة وكيل التهم والأكاذيب، واستهداف أشخاص بعينهم! السؤال ها هنا: لماذا هذا الاستهداف الشخصي؟
وهذا هو لبّ الموضوع. نقول،”الشخصنة أسهل من التفكير”، في مجتمعات مأزومة ومثقلة بالتاريخ والأوجاع، تكون أي محاولة للتفكير خارج النسق المألوف أشبه بالسير في حقل ألغام. لا لأن الطرح خاطئ، أو مرفوض منطقيًا بل لأن آلية التفكير السائدة تُصنّف النقد على أنه تهديد، والإصلاح على أنه خروج عن “الثوابت”،في هذا السياق، تُواجَه مشاريع إصلاحية نزيهة، ليس بالرد العلمي أو النقاش الفكري، بل بـالهجوم الشخصي، التسقيط المعنوي، والتشويه المتعمّد..
لَستُ طارئاً على المجتمع الايزيدي، ولا على فكره، وإنما كرست 56 ستة وخمسون سنة من عمري في الكتابة وردّ التشويه عنه، والحفاظ عليه، وتحليل بنيته الاجتماعية والدينية، وجمع نصوصه وموروثه الثقافي، وقدمت أفكاراً على مواطن الخلل فيه، والآن أدعو إلى اصلاح جوانب من بنيته الإدارية والاجتماعية والثقافية، انطلاقًا من إيماني بأن هذا المجتمع يستحق أن ينهض، لا أن يظل حبيس مآسيه وخرافاته.
بهذا، فأنه في المجتمعات التي لم تتعود على الأفكار الجديدة، وعلى ثقافة النقد الذاتي، فأن أية دعوة للإصلاح والتغيير تُقابل بالرفض الغريزي، ويتم تحويل النقاش من الفكرة إلى الشخص، ومن المنطق إلى الشتائم، ومن الدعوة للحوار إلى التحريض. وهذا ما يحدث مع طرح مشروعنا.
وهنا، نواجه ماكينة التسقيط بأدواتها السليطة غير المهذبة، والبعيدة عن مبادئ الأخلاق. وربّ قائل: من أين تأتي أدوات التسقيط هذه، وهل يولد من فراغ؟ كلا طبعاً، وإنما تنبع من: الجهل المعرفي- المصالح الفئوية الضيقة- الخطاب الديني المغلق- ثقافة القطيع.
وفيما يخص وضع الايزيديين في العراق في الوقت الحالي، ومع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية خريف هذا العام، استغل أكثر من حزب ايزيدي الفرصة للتهجم على مشروعنا الإصلاحي وكأنه يمس الطبقات الدينية، ضاربين على أوتار المشاعر الدينية لبسطاء الناس لكسب معقد الكوتا الوحيد! وهذه هي قمة الانتهازية والنفاق السياسي!
أؤكد، أنه من حق أي واحد، فرداً أم جماعة أن يختلف معي، وأن يرفض بعض أو كل أفكاري وطروحاتي، لكن يتم ذلك بوسائل عقلانية هادئة، لا بعصبية وتهور، وأن يحترم حقي وحق الآخرين في التفكير والتعبير عن الرأي، لأن المجتمعات لا تنهض حين يعلو فيه صوت الجهل، وتحتكر حرية التعبير عن الرأي. فالحرية كلٌّ لا يتجزأ، والفكر سلاح لا يقاوم إلاّ بالفكر والمنطق.
أن الدفاع عن المشروع، ليس دفاعاً عن نفسي وحسب، بل هو دفاع عن حق الايزيدي أن يفكر ويجدد ذاته، ويخطط لحاضره ومستقبله، كما لحاضر ومستقبل الأجيال القادمة.
مَنْ يصمت أمان حملات التشويه، يكون شريكاً في قتل التفكير الحر، ومَن يعمل من أجل الإصلاح، فإن الإصلاح لا يولد من رحم الارتياح، بل في صدمة السؤال! وسيكشف المستقبل عن البذور التي نزرعها بمشاركة وهمّة الجميع، ولصالح الحفاظ على الهوية الايزيدية الجميلة.
في الختام، أنا مع القائل: أن “الوقوف على قدميك يمنحك مساحة صغيرة في هذا العالم، لكن الوقوف على مبادئك يمنحك العالم كله!”
كوتنكن في 9/نيسان/2025



