في الحادي والثلاثين من أكتوبر أعلن مدحت سنجار، عضو وفد إيمرالي، من برلين التي كان يزورها لإجراء لقاءات رسمية على مدى ثلاثة أيام، أن عبد الله أوجلان انتقل إلى المسكن الذي أعدّته له الدولة داخل حرم سجن الجزيرة. يبدو الخبر في ظاهره تفصيلاً يتعلق بظروف احتجاز سجين، لكنه في حقيقته مؤشر على المرحلة التي بلغتها العلاقة بين أنقرة والحركة الكردية. ولعل الأدق أن نسمّي ما يجري اليوم مفاوضات لا عملية سلام، فالسلام يفترض اتفاقاً على الغايات وضمانات لتنفيذها، وما بين أيدينا حتى الآن تفاوض على الشروط والأدوار والإيقاع، لم يبلغ بعد مرحلة الالتزامات المتبادلة المكتوبة.
المسكن، كما وصفه بهجلي، بناء مساحته نحو مئتين وخمسين متراً مربعاً، وتشير معطيات من داخل وفد إيمرالي إلى أنه من طابقين ويضم قاعة للاجتماعات واللقاءات. وقد ظل جاهزاً أكثر من ستة أشهر، لكن أوجلان رفض الانتقال إليه إلى أن استجابت الدولة لبعض شروطه. وهذا جوهر الحدث، فالانتقال لم يكن منحة، بل ثمرة تفاوض أدركت فيه الدولة أنه لا بديل عن الحوار مع الرجل. غير أن ما تغيّر هو المكان لا الوضع القانوني، فقد أكدت بيرفين بولدان أن المسكن جزء من السجن، وأن أوجلان ما زال ينتظر أن يبدأ عمله منسّقاً للسلام والتسييس. إنه سجين يملك هامش حركة أوسع ومكاناً للعمل، لكنه لم يحصل بعد على صفة يعترف بها القانون.
اللافت في المشهد اختلال الإيقاع بين الطرفين. فحزب المساواة وديمقراطية الشعوب يتحرك في الداخل والخارج، من جولات على الأحزاب التركية إلى مؤتمرات في البرلمان الأوروبي ولقاءات في العواصم الأوروبية، بينما تتحرك الدولة عبر قنوات مؤسسية مغلقة، من تقرير لجنة برلمانية إلى مشروع قانون للاندماج المجتمعي، دون أي تعبئة اجتماعية تشرح للمواطنين معنى السلام. وتكشف اللغة هذا الفارق بوضوح، فتقرير اللجنة البرلمانية يخلو من تعبير “القضية الكردية” ويكرر مفردات الإرهاب. الطرف الكردي يرى في العملية تحوّلاً ديمقراطياً، والدولة تراها ملفاً أمنياً عنوانه نزع السلاح. ولهذا التفاوت تفسير مفهوم، فالطرف الأضعف يحتاج إلى الزخم ليعوّض نقص أوراقه، أما الدولة فتملك الوقت وتخشى غضب قاعدتها القومية.
ومع ذلك فالدولة لا تفاوض من باب الكرم. فهي تحتاج إلى علاقة أكثر استقراراً مع أوروبا، وإن كان هذا الدافع قد ضعف بعد أن صار الاتحاد الأوروبي نفسه في حاجة إلى تركيا. وتطمح إلى دور ريادي في الشرق الأوسط يمر حتماً بسوريا وبملف القوى الكردية فيها، وهو ما يعبّر عنه شعار “تركيا بلا إرهاب ثم منطقة بلا إرهاب”. وتبحث عن مخرج من أزمة اقتصادية أنهكت مفاصلها. لكن العامل الأكثر حسماً ربما يكون الحسابات الدستورية، فحديث بهجلي عن ولاية ثالثة لأردوغان يعني الحاجة إلى دستور جديد أو تعديل دستوري، وهنا تصبح أصوات الحزب الكردي في البرلمان ثقلاً لا يمكن تجاهله. وفي هذه النقطة قد تلتقي مصلحة السلطة مع مطلب الاعتراف الدستوري بوجود قوميات أخرى غير القومية التركية.
غير أن التقاء المصالح لا يصنع وحده ضمانة. فالذاكرة الكردية تحمل تجربة قاسية مع الوعود الشفهية. ففي سنوات حرب الاستقلال جرى الحديث عن شراكة تركية كردية، وجلس نواب كرد في البرلمان الأول، ولمّح مصطفى كمال إلى إدارة محلية للمناطق الكردية، ثم جاء دستور 1924 ليعرّف المواطنة بأنها تركية، وتلته سنوات من القمع. أي أن الوعود قُطعت حين كانت الدولة في حاجة إلى الكرد، وسُحبت حين انتفت الحاجة. وفي التاريخ القريب انهارت عملية الحل بين عامي 2013 و2015 لأنها بقيت تفاهمات بين الأجهزة الأمنية وإيمرالي دون أي إطار قانوني، فلمّا تغيّرت حسابات السلطة بعد انتخابات يونيو 2015 تبرّأت من اتفاق دولمة بهجة، وعاد السلاح خلال أسابيع.
من هنا يكتسب إصرار أوجلان على البرلمان معناه الحقيقي. فحين دعاه بهجلي قبل عامين إلى الحضور إلى البرلمان، كان يريده منبراً يُعلَن منه إلقاء السلاح، أما أوجلان فيريده مشرّعاً يحوّل التفاهمات إلى التزامات على الدولة. وما أُنجز حتى الآن أقرب إلى الأول منه إلى الثاني، فهو يعالج نزع السلاح والاندماج ولا يقترب من الاعتراف والحقوق. ولعل المرحلة الحالية لن تتجاوز خطوة خجولة، لكن المرحلتين التاليتين ستكشفان إن كانت أنقرة مستعدة لتحويل الضرورة إلى خيار. فالسلام الدائم لا يُبنى على حاجة ظرفية لدى السلطة، بل على نص دستوري تقبله المعارضة كما تقبله الحكومة، فيحمي الاتفاق من تقلّب الحسابات. وكما قال لي أحد المشاركين في هذا المسار، فإن الأمل كبير لأن الطرفين يدركان أن المواطنين في تركيا بأمسّ الحاجة إلى السلام والتعايش المشترك. يبقى أن يتحوّل هذا الإدراك إلى قانون.




