من انتظار السقوط إلى الاستعداد لما بعده… ماذا تكشف ثقةمريم رجوي عن مستقبل النظام الإيراني :منى سالم الجبوري

في خطابها الأخير أمام مؤتمر “دعم الحل الديمقراطي في إيران“ في ألمانيا، لم تبد مريم رجوي وكأنها تتحدث عن احتمالبعيد أو سيناريو مفتوح على احتمالات متعددة. اللافت فيخطابها هو درجة اليقين التي تتعامل بها مع مسألة سقوط النظامالإيراني. فالسؤال، كما بدا من مجمل حديثها، لم يعد بالنسبةإليها: هل يسقط نظام ولاية الفقيه؟ بل أصبح: متى وكيف، ومنيملأ الفراغ الذي سيتركه؟

وهنا تكمن أهمية الخطاب.

رجوي تنظر إلى التطورات الراهنة باعتبارها جزءا من مسارطويل من الصراع بين المجتمع الإيراني والنظام، وترى أنالأزمات المتراكمة، والانتفاضات المتعاقبة، واتساع الاحتجاجات،واستمرار نشاط وحدات المقاومة، كلها مؤشرات على أن النظام لميعد يملك القدرة على استعادة الاستقرار الذي كان يعتمد عليهفي إطالة عمره.

الأكثر دلالة أنها لا تقيس قوة النظام بما يملكه من صواريخ وأجهزة أمنية، بل بما يحتاج إليه من قمع مكثف وإعدام وانتشار أمني واسع كي يمنع عودة الشارع إلى الانتفاض. وفي هذه القراءة، يصبح حجم القمع نفسه دليلا على حجم الخوف، لا دليلاعلى الثقة.

لكن الجديد في خطاب رجوي هو أنها لا تتوقف عند لحظة إسقاط النظام. فثمة انتقال واضح من خطاب المواجهة إلى خطاب إدارة مرحلة ما بعد التغيير. وهذا التحول مهم سياسيا؛ لأن الأنظمة لاتسقط فقط عندما تفقد قدرتها على القمع، وإنما عندما يفقدالبديل أيضا صفة المجهول.

ولهذا تطرح رجوي تصورا للمرحلة الانتقالية يبدأ بحكومة مؤقتةمحددة المدة والمهام، وتنتهي بانتخابات حرة وتشكيل جمعيةتأسيسية، وصولا إلى إقامة جمهورية ديمقراطية. وبغض النظرعن الموقف السياسي من هذا المشروع، فإن مجرد طرحه بهذهالصورة يعني أن المعارضة تريد أن تقول إن إسقاط النظام، فيتصورها، ليس نهاية الطريق، بل بداية عملية سياسية لها قواعدهاومؤسساتها وجدولها الزمني.

وهنا تبرز نقطة جوهرية: الثقة بسقوط النظام لا تكفي وحدها، لكن الاستعداد لما بعد سقوطه يكشف طبيعة هذه الثقة.

فمن يعتقد أن النظام باق لعقود أخرى ينشغل عادة بكيفيةإضعافه أو مواجهته. أما من يتعامل مع سقوطه كاحتمال جديوقريب، فإنه يبدأ بالتفكير في الدولة التي ستأتي بعده، وكيفيةمنع الفوضى، ومنح المجتمع فرصة اختيار مستقبله.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم إصرار رجوي على رفض عودة النظام الملكي، كما يمكن فهم تركيزها على شعار “السلام والحرية“وعلى وجود خطة انتقالية واضحة. إنها تحاول رسم حدود مسبقة للمرحلة التالية: لا ولاية فقيه، ولا عودة إلى دكتاتورية الشاه، بل الاحتكام إلى الشعب عبر انتخابات حرة.

ويبقى السؤال الأصعب: هل تستطيع المعارضة تحويل هذا التصور السياسي إلى واقع إذا حدث انهيار مفاجئ للنظام؟

هنا ستختبر كل الشعارات والخطط والتنظيمات. فالسقوط قديكون لحظة، أما بناء البديل فهو عملية طويلة ومعقدة. ولذلك فإنأهمية خطاب رجوي لا تكمن فقط في إعلانها أن النظام يقترب مننهايته، بل في أنها تتصرف سياسيا وكأن مرحلة ما بعد النظامأصبحت قضية يجب الاستعداد لها من الآن.

وربما يكون هذا هو التحول الأهم في خطاب المقاومة الإيرانية: من معركة إسقاط السلطة إلى الاستعداد لليوم الذي لن تكون فيه السلطة موجودة أصلا.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت