في بغداد …..!
صدر فائق زيدان ذات يوم مذكرة قبض بحق دونالد ترامب.
صفّق الإعلام.
وارتفعت خطابات السيادة.
وخُيَّل للمواطن العراقي البائس أن القضاء في بغداد يستعد لإرسال دورية لاعتقال رئيس الولايات المتحدة من البيت الأبيض.
ثم جاءت لحظة الامتحان.
جلس ترامب في مقعد الأستاذ وأتى وأجلس رئيس الوزراء العراقي أمامه في مقعد التلميذ.
لم يفتح ملف كيف تم تدمير بلد …..!
ولا ملف كيفية استرجاع سيادة بلد …..!
ولا حتى ملف بناء البلد.
بل ذكّره بفعلٍ قديم وقال بكل هدوء وبابتسامة الرجل الذي يعرف جيدًا من يجلس أمامه:
« أنا من اتخذ قرار قتل وتصفية سليماني والمهندس »
قالها بكل شجاعة وثقة،
ومن دون تردد،
ومن دون أن يخفض صوته.
لم يكن يتحدث إلى رئيس حكومة ذات سيادة، بل كان يختبر مقدار الشجاعة المتبقية لدى رجل جاء يحمل لقب دولة لا تملك من الدولة إلا الاسم.
أما التلميذ العراقي المسكين، فلم يجد ما يقوله سوى ضحكة مرتبكة، ثم أجاب بما يشبه اعتذار طفل ضُبط في مكان لا يعرف كيف وصل إليه:
« هههههه أستاذ لم أكن في السياسة حينها الله وكيلك »
وكأن العراق وُلد يوم تسلّم هو المنصب.
وكأن القتلى سقطوا في دولة أخرى.
وكأن دماء العراقيين لها تاريخ انتهاء صلاحية،
فإذا تغيّر رئيس الوزراء انتهت القضية وسقطت الذاكرة.
وهنا تذكّرت مذكرة فائق زيدان.
بحثت عنها في كل مكان …..!!
في ملفات القضاء.
في أدراج المكاتب.
في بيانات السيادة.
وفي أرشيف الخطب النارية.
لكنني لم أجد لها أثرًا خارج شاشات الإعلام العراقي.
يبدو أنها اختفت في اللحظة التي جلس فيها المسؤول العراقي أمام الرجل الذي يفترض،
وفقًا لتلك المذكرة، أن يكون مطلوبًا للقضاء.
ذلك اليوم لم يسقط ترامب.
بل سقطت المذكرة.
وسقط معها خطاب السيادة كله.
ففي الداخل …..!
أسود تزأر على المواطن، وتصدر الأوامر، وتلوّح بالقوانين، وتطارد كل من يرفع صوته.
أما في الخارج …..!
فتتحول الأسود فجأة إلى حملان مؤدبة تبتسم وتهزّ رؤوسها وتنتظر الإذن بالكلام.
ترامب لم يحتاج إلى تمزيق مذكرة القبض،
لأنه كان يعرف أنها لم تغادر أصلًا درج فائق زيدان.
استدعى المسؤول العراقي،
أجلسه أمامه،
ثم رمى الحقيقة في وجهه بكل برود :
أنا من قتل العراقي ومن كان معه ….. فماذا ستفعل؟
فلم يجد ممثل « الدولة ذات السيادة » سوى أن يتقمص دور الرضيع السياسي ويكاد يقول له :
اعذرني يا سيادة الرئيس كنت يومها ما أزال أشرب الحليب ولم أكن أعرف أن يوجد في العراق سياسة أو قتلى أو قضاء أو حتى دولة.
ابتسم ترامب.
ضحك في وجهه.
وطبطب على كتفه.
وانتهى اللقاء.
عاد الصغير إلى بغداد يحمل منصبه.
وعاد فائق زيدان إلى مكتبه يحمل مذكرته التاريخية.
أما المذكرة فبعد أن ثبت أنها لا تصلح لاعتقال ترامب،
ولا لمواجهته ولا حتى لذكرها أمامه، لم يبقَ لها سوى استعمال واحد يناسب قيمتها الحقيقية :
أن يعلّقها فائق زيدان قرب مرحاضه،
لعلها تنجح هناك في المهمة الوحيدة التي فشلت فيها داخل القضاء :
أن تكون ورقة صالحة للاستعمال…….!!!!
15__Juli__2026
تذكير في مذكرة فائق زيدان



