من تفكيك سينما”موبيوس” إلى تشريح أزمة الوعي الشرقي : كفاح الزهاوي

“صمت السينما وصراخ المأساة“: في صمت السينما يصرخ الجسد، وفيغياب الحوار يتعرى الوعي الشرقي من أقنعته.

   شاهدتُ فيلماً كورياً دراماتيكياً يجسد عبقرية المخرج “كيم كي–دوك” فيأبهى صورها؛ وهو فيلم “موبيوس” (Moebius). إنه عمل سريالي صادم، يتخلى فيه المخرج عن الحوار تماماً ليجعل من لغة الجسد والعنف الصامتأداة لتفكيك العقد النفسية والأسريّة. تدور أحداث الفيلم في حلقة مفرغة(تجسيداً لشريط موبيوس الرياضي) تنتهي بفناء العائلة انتحاراً، لكن لفهمهذه المأساة، يجب العودة إلى الخطيئة الأولى واللحظة الصادمة التيأسست للذنب المشترك ودمرت هذا الكيان بالكامل.

  تبدأ المشكلة الأساسية من خيانة الأب لزوجته مع عشيقة، لكن الحبكةالنفسية الأعمق تتجلى في حضور الأم والإبن معاً في مسرح هذه الجريمةالأخلاقية. فالأم لم تكتشف الخيانة مصادفة، بل كانت حاضرة في الطرفالآخر تشاهد الحادثة بعينها ومن مسافة صفر. وتتخذ المأساة بعداً نفسياً شديد التعقيد عقب انتهاء العملية الجنسية بينهما؛ حيث تقرر الأم الانتقام. لكن قبل أن تهاجم زوجها الخائن، تنظر وعيناها مملوءتان بالدموع وخيبةالأمل من شق الباب لتجد ابنها المراهق متأثراً بالمشهد ويمارس العادةالسرية. تلك الحركة أورثت الأم يأساً قاتلاً وصدمة في امتدادها ونسلها؛ إذأوعزت إليها أن ابنها يشبه والده تماماً، وأنه ورث ذات الشهوة وبدأ يشرعنالخيانة ويتلذذ بها بدلاً من الانتصار لمظلومية والدته.

   هذا التداخل المرضي فجّر غضباً سادياً لا يمكن كبحه؛ وحين توجهتلزوجها وفشلت في النيل منه بسبب مقاومته العنيفة لها، نقلت جام غضبهافوراً إلى الابن؛ إذ رأت فيه “النسخة البديلة” المتاحة لرجولة الأب الخائن، فقامت بقطع عضوه التناسلي فيما كان يغطّ في نومٍ عميق كعقاب بيولوجيونفسي يبتر سلالة الأب وغريزة الابن التي ولدت مشوهة خلف الباب. هذايوضح كيف يتحول عجز الكبار عن مواجهة خطاياهم إلى رغبة عمياء فيتدمير أقرب الناس وهم في حالة استسلام تام.

   يتصاعد التوتر الدرامي من خلال تتابع متقن للمشاهد يكشف حجمالمعاناة الجسدية والنفسية للشاب؛ حيث يظهر لأول مرة بالسيارة برفقةوالده، ويطلب منه الذهاب إلى مرحاض عام. بينما ينتظر والده في السيارة. هناك، وأثناء محاولته التبول، يصاب شخص آخر بالدهشة والذهول حينيرى الشاب المخصي يتبول على بنطاله عاجزاً عن التحكم بجسده المبتور. يخرج الابن إلى الشارع مذعورًا، ليتفاجأ بزملائه في المدرسة وهم يحاولوننزع بنطاله قسرًا لتوثيق عاهته والشهادة على أنه خصي. وهنا يتدخل والدهلينتزعه ويحميه من تنمّرهم، فيضربهم أول الأمر فيهربون من قبضته. وبينماكان الأب يحاول تهدئة ابنه المصدوم من قسوة الأولاد، إذا بالمجموعة تعودمجددًا لتركل الأب وتنهال عليه بالضرب، لتكسر صورته أمام عيني ابنه، وتُسقط هيبته تحت أقدام الصغار، في سحقٍ تام “لرمزية الأب الحامي.”

   يأتي بعد ذلك مشهد الإغواء المحوري؛ حيث يلتقي الابن بالعشيقة فيمتجرها، فتسعى إلى استمالته بفتح أزرار فستانها كاشفة عن صدرها، فيقترب منها مدفوعًا بغريزته المراهقة. غير أن الحبكة تتعقد في المشهدالتالي؛ إذ يعود الابن إلى المتجر مترددًا، ليطلّ التلاميذ من جديد ويطرقأحدهم زجاج الباب. يخرج الابن مسرعًا خشية أن ينكشف سره أمامالعشيقة التي بدأت تتودد إليه. وفي الشارع، يطارده زملاؤه محاولين إذلالهبانتزاع بنطاله عنوةً لإثبات عجزه والتشهير به، لكن عصابة من المجرمينتتدخل لإنقاذه من قبضتهم؛ وهي لفتة سيكولوجية بارعة من المخرج، إذ أنالعصابة لا تتحرك بدافع الشهامة، بل لتأكيد نفوذها واستقطاب الضحيةالأضعف.

   هذا الموقف جعل الابن سيكولوجياً أقرب إلى العصابة وأبعد عن الأب؛ فالعصابة مكنته من الحماية التي عجز عنها والده والمجتمع. وهنا يطرحالمخرج قانوناً اجتماعياً خطيراً: حين يفتقر المجتمع إلى الأدوات المتاحةلحماية الأفراد، يُدفع هؤلاء قسراً إلى اللجوء لأشخاص خارج إطار القانونبحثاً عن الأمان. هذا الإنقاذ البديل كان فخاً وتمهيداً درامياً غرضه دمجالابن في وكرهم، ليتحول “المنقذ” لاحقاً إلى “جلاد” يجر الشاب إلىمستنقع الجريمة (الاغتصاب).

  المحطة التالية التي عمّقت الكارثة هي لحظة الاعتداء الوحشي الأصليعلى عشيقة الأب. فبينما كان الشاب المراهق يتواجد في مسرح الجريمة معتلك العصابة التي أنقذته سابقاً، أُجبر على المشاركة في الاعتداء الجماعيعلى العشيقة. لم يكن دافع الشاب هنا هو “الشهوة“، بل كانت محاولة بائسةومذعورة منه لإخفاء عاهته (أنه خصي) والمحاكاة الجسدية أمام الآخرينالذين حموّه بالأمس، خشية أن ينفضح أمره أمامهم.

   لكن العشيقة –بسبب صدمة الاعتداء والذعر الأعمى– لم تدرك هذاالنقص، بل اعتبرته شريكاً كاملاً في الجريمة وبلغت عنه الشرطة. هنا يتدخلالأب مجدداً لإنقاذ ابنه من السجن، لكنه “يجعل الطين بلة” حين يؤكدللشرطة علناً أن ابنه خصي ولا يمكنه القيام بذلك، ليتسبب في فضح سرابنه الطبي والنفسي ويسحق كبريائه تماماً أمام المجتمع.

   إن الضحية الحقيقية في الفيلم هو الابن؛ مراهق بسيط وهادئ بالفطرة، يكتشف غريزته الطبيعية تجاه الجنس الآخر، لكنه يقع ضحية لـ “شيطنة” الكبار وتصفية حساباتهم المريضة.

   وتتجلى قسوة المجتمع في مشهدين جوهريين:

1. تفرج السلطة: عندما يحاول الأب تبرئة ابنه بكشف عورته ونقصه أمامرجال الشرطة، تثور أعماق الابن دفاعاً عن كرامته المهدورة عبر ركلاتيائسة لوالده، بينما يقف رجال الأمن متفرجين، في إشارة لإدانة بلادةالمجتمع واستعراضه للفضائح.
2. عجز المنظومة الإصلاحية: يظهر ذلك في مشهد إطلاق سراح المغتصبالحقيقي (فرد العصابة) وعودته لمزاولة جرائمه، وهو نقد لاذع للقوانينالتي تفشل في إعادة تأهيل الجناة، بل تعيد تصديرهم ليفترسواضحايا جُدد

 

   المحطة التالية في كسر القوى تظهر عقب خروج رئيس العصابة منالسجن وازدرائه السابق للابن. هنا يبرز تحول درامي عميق، حين تستدرجالعشيقة رئيس العصابة إلى مهجعها، لا استسلامًا بل انتقامًا لنفسهاوللابن معًا. يستلقي الشاب على الأرض، ورأسه تحت المنضدة المنخفضة، فيما تجلس هي على ساقيه وتنزع بنطاله وهو غارق في وهم المتعة الجنسية. وفي تلك اللحظة، تسحب السكين لتقطع جهازه التناسلي بينما يضغطالمراهق على يديه مثبتًا إياهما إلى الأرض، ليُفتح المجال أمام فعلٍ صادميبدّد أي وهم باللذة. وفي خطوة تماثل صدمة البداية، تقوم بقطع عضوهالتناسلي لتجريده من غطرسته وقوته الذكورية السامة، وتشرع في السيطرةعليه بالكامل وتحديد الطريقة التي ينال بها شهوته تحت شروطها. بالأمسكانت ضحية مستسلمة، واليوم يدفع الجلاد المتغطرس ثمن تصرفهاللاأخلاقي، وتتحول هي إلى متحكم بمسار الألم واللذة. عقب هذا القطع، يتدخل الابن المراهق في مشهد بالغ الرمزية؛ حيث يخطف العضو المقطوعويفر به مسرعًا في محاولة يائسة لاستعادة رجولته ونقصه الجسدي. يلاحقهرئيس العصابة دون جدوى، لتكون الكلمة الأخيرة لـ عجلات السيارات الماديةفي الشارع، وهي تسحق تلك القطعة تحتها مبددة أحلام الشفاء، ومؤكدة أنالعنف لا يولد إلا عدماً وفناءً كاملاً.

 

   يتردد رئيس العصابة على متجرها خاضعًا ذليلًا، راغبًا في الحصول علىاللذة الجنسية. حال دخوله، تغرس السكين في كتفه اليسرى، وتهزها منقبضته بينما يقف المراهق خلفه ممسكًا به لتثبيته، فيما تتصاعد نشوتهالوهمية بتنهدات ممزوجة بالألم. أثناء هذا الطعن، يقوم المخرج بتركيبمشهد غاية في الرمزية السيكولوجية؛ إذ تحضن العشيقة رئيس العصابةالمخصي، وتضاعف الألم بتحريك السكين في كتفه، ثم تضع حنكها علىكتفه ليصبح وجهها مقابل وجه الابن الذي يقف خلفه. هنا تلتقي عيون الابنوالعشيقة، وتتلامس أنوفهم وشفاههم بلمسة خفيفة، في لقطة تعلن بوضوحأن معاناتهم باتت متداخلة ومتلاحمة، وأنهم حققوا انتصارًا مشتركًا وسحقواالطاغية الذي انتهك كرامتهم بالأمس، ليدفع المتغطرس ثمن تصرفهاللاأخلاقي ويتحول من جلاد إلى ضحية خاضعة لشروطها السادية.”

 

   استخدم المخرج بذكاء شديد نفس الممثلة لتقوم بدوري “الأم” و“العشيقة” في آن واحد، وهي لفتة سيكولوجية عميقة ترمز لتداخل أدوار الرغبة والعقاب. فمن ناحية، يبرز مظهر الانتقام والمحاكاة عندما تقوم الأم بممارسة الخيانةكنوع من الرد بالمثل على زوجها، حيث عرضت نفسها على ابنها تحت الغطاءممرغة كبرياء الأب في التراب. هذا التشابه الجسدي جعل الابن يعيش فيحالة تشتت وضياع كامل بين الأم التي عاقبته بقطع رجولته، وبين العشيقةالتي ينجذب إليها.

   وهنا تبرز الفكرة الأكثر عمقاً في الفيلم؛ حيث يتجلى الابن كضحية مطلقةلصراع مرير بين والدين عاجزين تماماً عن مواجهة أخطائهما الشخصيةوالاعتراف بفشلهما، وبدلاً من مواجهة الذات، يصبان جام غضبهماوساديتهما على ابنهما الأعزل. هجوم الأب الهستيري بالسكين في النهايةلم يكن سوى محاولة لـ “إبادة” هذا الشاهد البريء الذي تجسدت فيه كلخطايا الكبار.

   يطرح الفيلم سؤالاً فلسفياً: هل قطع الأعضاء أو ممارسات التشويهوالتعذيب الجسدية تحرر الإنسان من خطيئته؟ الإجابة هي (لا) قاطعة، فالخطيئة تكمن في الوعي لا في الجسد. وفي المشهد الأخير، يحمل الابنالسكين ويتوجه نحو تمثال بوذا، ليرمي السكين في النهاية معلناً نبذ العنفالذي لا يجر إلا الدمار النفسي والجسدي. وهنا تبرز رمزية مادية عميقة؛ فالشاب يبحث عن التمثال في الظلام ولا يجده إلا بعد إسقاط ضوء المصباحالمادي. هذا يثبت أن الأفراد عندما يعجزون عن حل معضلاتهم الواقعيةيهربون نحو الروحانيات الغيبية التي لا تملك حلولاً ملموسة، فالنور الحقيقيالذي يكشف الحقائق ويقشع الظلام هو نور العلم والمعرفة المادية، الذياخترعه عالم مادي وليس فكراً صوفياً.

   ينعكس هذا التحليل السينمائي بشكل مباشر على واقعنا الشرقيوالعربي؛ حيث يعاني المجتمع من غياب التفكير النقدي وسيطرة “الوعيالعاطفي والروحاني الجاهز“. يتجلى هذا التسطيح في الاستهانة بالبحثوالتمحيص، حيث ينساق العقل الجمعي فوراً خلف الأخبار الزائفة والصورالمفبركة لمجرد أنها تثير مشاعره، لتتحول منصات التواصل إلى ساحاتلتفريغ الإحباطات عبر سيل من الانتقادات اللاذعة دون التثبت من الحقيقة. ويتقاطع هذا تماماً مع مأساة الفيلم؛ فعندما تتقاعس مؤسسات الوعيوالدعم عن حماية “البسطاء“، يقع المجتمع في شباك سلطات الجهلوالجريمة البديلة.

   إن النجاة من هذه الدوائر المفرغة من الجهل والعنف والتبعية تكمن فيإعادة بناء الإنسان من الجذور. يبدأ الإصلاح الحقيقي بتأهيل المجتمع بدءاً من الروضة والمدرسة، وتغيير المناهج التعليمية  لترسيخ الفكر النقدي والمنهجالعلمي التجريبي. يترافق ذلك مع إلغاء كافة أشكال الضغط والترهيبالنفسي في المدرسة والبيت؛ فالعائلة السليمة والصالحة المبنية على الحواروالأمان هي النواة الوحيدة القادرة على إنتاج مجتمع صالح، نقي، ومستنيربنور الوعي الحقيقي.

   “ما لم نكسر حلقة العنف والجهل، سنظل ندور في دائرة موبيوس بلانهاية“

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت