ليست أخطر ما تواجهه المعارضات السياسية دائما قوة الأنظمةالتي تناصبها العداء، بل قد يكون الأخطر هو عجزها عن حمايةوحدتها من الانقسامات والصراعات الداخلية. وهذه الحقيقة تبدوحاضرة بقوة في المشهد الإيراني، خصوصا في ضوء ما كشفتهالوثيقة الأمنية الفرنسية المتعلقة بالتظاهرة التي شهدتها باريسفي 20 يونيو 2026.
فالوثيقة، التي سجلت لدى المحكمة الإدارية في باريس، لم تقتصرعلى رصد تهديدات أمنية محتملة مرتبطة بالنظام الإيراني، بلتناولت أيضا مظاهر تحريض وتصعيد من جانب بعض أنصاررضا بهلوي، شملت الدعوة إلى عرقلة التظاهرة بالقوة واستعراضأسلحة نارية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وهنا تبرز مفارقة سياسية تستحق التأمل: كيف يمكن لقوى ترفع شعارات إسقاط الاستبداد أن تسمح لنفسها بتبني أساليب الترهيب والإقصاء ضد قوى معارضة أخرى؟ إن الخلاف حول شكل النظام الإيراني المقبل، سواء أكان ملكيا أم جمهوريا، أوحول طبيعة القوى التي ينبغي أن تقود المرحلة الانتقالية، هوخلاف سياسي مشروع. لكن تحويل هذا الاختلاف إلى تهديداتبالعنف يضعف القضية التي يفترض أن تدافع عنها هذه القوى.
وفي المقابل، تطرح الوثيقة فرضية أمنية تتعلق باحتمال وقوف أجهزة النظام الإيراني وراء بعض التهديدات، من خلال وسطاء أو أطراف بالوكالة، بهدف إرباك المعارضة وإثارة الشكوك بين مكوناتها. وهذه الفرضية، وإن لم تكن حكما قضائيانهائيا علىالمسؤولية، تستحق التحقيق الجاد، ولا سيما في ضوء سابقةمخطط تفجير مؤتمر المعارضة في فيلبينت عام 2018، الذيانتهى بإدانة دبلوماسي إيراني أمام القضاء البلجيكي.
إن استخدام رموز جهاز السافاك، المرتبط بذاكرة القمع في عهد الشاه، في سياق التهديدات الموثقة، يضيف بعدا رمزيا إلىالقضية. فاستحضار أدوات الماضي السلطوي في مواجهةمعارضة ترفض النظام الحالي يعيد إلى الواجهة سؤالا جوهريا: هل يدور الصراع الإيراني حول تغيير السلطة فحسب، أم حولتغيير مفهوم السلطة ذاته؟
لقد أظهرت تظاهرة باريس، من خلال شعار “لا للشاه ولا للملالي“، أن ثمة قوى إيرانية تسعى إلى طرح بديل لا يقوم على استبدال استبداد بآخر. كما أن التقارب بين منظمة مجاهدي خلق وممثلي القوميات والمجموعات المعارضة يفتح نقاشا حول إمكانيةبناء مشروع سياسي تعددي، رغم التباينات الفكرية والتنظيميةالعميقة.
لكن هذا المشروع سيظل هشا إذا لم تعترف مكونات المعارضةبحق بعضها بعضا في الاختلاف والتنظيم والتعبير. فلاالديمقراطية تبنى بالتهديد، ولا المستقبل التعددي يمكن أن يقومعلى احتكار تمثيل الشعب أو تخوين الخصوم.
أما أوروبا، فتواجه مسؤولية مزدوجة: حماية حق المعارضين الإيرانيين في النشاط السياسي السلمي، والتعامل مع أي تهديدات أو محاولات عنف وفق القانون، بصرف النظر عن الجهة التي تقف وراءها.
فالمعيار الديمقراطي لا ينبغي أن يتغير بتغير هوية الضحية أو الجهة المستهدفة. والرسالة الأهم التي تفرضها قضية باريس هي أن مستقبل إيران لا يتوقف على من ينجح في إسقاط النظام الحالي فحسب، بل أيضاً على طبيعة النظام السياسي الذيسيحل محله، ومدى قدرته على احترام التعددية ورفض الاستبدادبكل أشكاله.




