مقدّمة لم تبدأ إبادة الإيزيديين في 3 آب/أغسطس 2014 بسقوط سنجار عسكريًا فقط، بل سبقتها سنوات من قرارات التسليح والتغاضي الدولي عن وصول كميات هائلة من الأسلحة إلى جماعات مسلّحة في سوريا، كثير منها ذات أيديولوجيا جهادية متطرفة. هذه الأسلحة، التي خرج بعضها من مخازن الجيش الليبي بعد سقوط نظام القذافي، واستُجلب بعضها من دول أوروبا الشرقية عبر برامج استخباراتية، تحوّلت في النهاية إلى أداة رئيسية في تمكين تنظيم “داعش” وغيره من التنظيمات المتطرفة التي نفذت جريمة إبادة جماعية ضد الأقلية الدينية الإيزيدية في العراق.
المقال يحاول الربط بين:
1. التقارير الأممية عن مسارات السلاح من ليبيا إلى تركيا ثم سوريا،
2. التحقيقات الاستقصائية (مثل سيمور هيرش) التي تحدثت عن “خط فأري – Rat Line” استخباراتي لنقل السلاح،
 3. برامج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (وخاصة برنامج Timber Sycamore) لتسليح المعارضة السورية، 
4. الوثائق الاستخباراتية الأمريكية (DIA) التي حذّرت مبكرًا من قيام “إمارة سلفية” في شرق سوريا بدعم غربي–إقليمي،
 5. وصول هذه الدينامية في النهاية إلى جريمة الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين كما وثّقها مجلس حقوق الإنسان وUNITAD. 
أولًا: مسارات السلاح بعد سقوط ليبيا – ما تقوله التقارير الأممية بعد 2011، تحوّلت ليبيا من دولة ذات ترسانة ضخمة إلى مخزن مفتوح للأسلحة. تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن بشأن ليبيا مثّلت أحد أهم الأدلّة على خروج سلاح ليبي باتجاه سوريا عبر تركيا: • تقرير مجلس الأمن S/2013/99 وS/2015/410 يوثّقان قضية السفينة الليبية “الانتصار – Al Entisar” التي أبحرت من بنغازي إلى ميناء إسكندرون التركي عام 2012 وهي محمّلة بما يقرب من 400 طن من العتاد، وذكرت سوريا للأمم المتحدة أن هذه الشحنة نُقلت لاحقًا إلى الأراضي السورية.  • تحقيق لوكالة رويترز مع تاجر السلاح الليبي عبدالباسط هارون أشار إلى أن شحنات أسلحة من ليبيا خُبئت داخل مساعدات إنسانية متجهة إلى تركيا، وأن تقرير فريق الخبراء الأممي أكّد عناصر من روايته في قضية “الانتصار”.  إذن، لدينا مسار موثّق أمميًا: ليبيا → تركيا → سوريا؛ مع علم واضح للأمم المتحدة بأن هذه الشحنات تمثّل خرقًا لحظر السلاح على ليبيا، وأنها اتُّخذت لأغراض دعم الفصائل المسلحة في سوريا.
ثانيًا: “الخط الفأري” – الرواية الاستقصائية لسيمور هيرش الصحفي الأمريكي المخضرم سيمور هيرش قدّم في مقاله الشهير “The Red Line and the Rat Line” (مجلة London Review of Books, 2014) رواية مثيرة للجدل عن “خط فأري – Rat Line”:  • خط سرّي لنقل السلاح من مخازن ليبيا إلى جنوب تركيا، • بترتيب بين CIA وMI6، • وبتمويل من السعودية وقطر، • لتسليح جماعات المعارضة السورية عبر الحدود. هيرش يؤكد أن هذه العمليات تمّت بصيغة “تفويض سري”، وأن الإدارة الأمريكية لم تعترف أبدًا علنًا بدورها في إنشاء هذا الخط، بينما ظلّت تركيا شريكًا محوريًا في تمرير الشحنات عبر أراضيها. هذه الرواية، رغم نقد بعض الباحثين لتفاصيلها، أصبحت مرجعًا أساسيًا في الأدبيات التي تتناول تسليح الجماعات الجهادية بشكل غير مباشر عبر قنوات تهريب مرتبطة باستخبارات دولية.
ثالثًا: برامج CIA – من Timber Sycamore إلى تسرب السلاح للجهاديين إلى جانب مسار ليبيا، ثبُت وجود برنامج واسع النطاق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية:
1. برنامج Timber Sycamore • برنامج سري قادته CIA منذ 2012/2013 لتدريب وتسليح فصائل معارضة سورية، • مدعوم من المملكة المتحدة وبعض أجهزة الاستخبارات العربية (السعودية، قطر، الأردن)، • شمل شراء أسلحة من أوروبا الشرقية ونقلها إلى سوريا عبر الأردن وتركيا، • وصلت كميات السلاح إلى “آلاف الأطنان” بقيمة مليارات الدولارات.  دراسات حديثة حول البرنامج تشير إلى: • أن جزءًا معتبرًا من هذه الأسلحة تسرّب إلى السوق السوداء، • ووصل إلى أيدي جماعات جهادية بينها جبهة النصرة وداعش، • وأن فصائل “مدعومة” من البرنامج قاتلت أحيانًا إلى جانب النصرة، ما جعل الفاصل بين “المعتدل” و”الجهادي” ضبابيًا عمليًا.
 2. وثيقة DIA لعام 2012 – اعتراف مبكر بالخطر وثيقة لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية DIA (آب/أغسطس 2012)، كُشف عنها لاحقًا، تشير صراحة إلى أن:  • “السلفيين، والإخوان المسلمين، والقاعدة في العراق” هم القوى الرئيسية المحرّكة للتمرد في سوريا، • وأن “الغرب ودول الخليج وتركيا” يدعمون المعارضة، • وتحذّر من احتمال قيام “إمارة سلفية” في شرق سوريا (في دير الزور والحسكة)، • وأن هذا السيناريو كان “بالضبط ما تريده القوى الداعمة للمعارضة” لعزل النظام السوري. ورغم هذا التقييم الاستخباراتي، استمرّت برامج التسليح والدعم، ما يثير سؤالاً قانونيًا وأخلاقيًا جوهريًا: هل يمكن اعتبار استمرار التسليح مع العلم المسبق بما قد يترتب عليه شكلًا من أشكال التواطؤ أو المساهمة غير المباشرة في الجرائم اللاحقة؟
رابعًا: من تسليح الجهاديين إلى الإبادة الجماعية للإيزيديين
1. اعتراف أممي بالإبادة مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، من خلال تقريره الشهير “They Came to Destroy: ISIS Crimes Against the Yazidis” (A/HRC/32/CRP.2)، خلص عام 2016 إلى أن تنظيم داعش:  • ارتكب جريمة الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين، • إلى جانب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، • من خلال القتل الجماعي، والاسترقاق الجنسي، والنقل القسري، والتغيير القسري للدين، واستهداف الهوية الدينية الإيزيدية بهدف محوها. فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش في العراق UNITAD أعاد التأكيد في تقاريره اللاحقة على أن الجرائم ضد الإيزيديين ترقى إلى جريمة إبادة جماعية، وأن هناك “أسسًا معقولة للاعتقاد” بارتكاب جريمة الإبادة وجرائم أخرى جسيمة.
 2. الأرقام المروّعة وفق تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإيزيدية: • قُتل الآلاف من الرجال الإيزيديين في الأيام والأسابيع الأولى من هجوم داعش على سنجار. • اختُطف ما يزيد عن 6,000 من النساء والأطفال في ذروة الهجوم، • وتقدّر منظمات إيزيدية ودولية أن أكثر من 3,000 امرأة وطفل ظلوا مختطفين أو مفقودين لسنوات، وما زال مصير جزء كبير منهم مجهولًا حتى اليوم.  هذه الجرائم لم تكن ممكنة بهذا الاتساع وبهذه القدرة النارية لولا: • سيطرة داعش على مخازن الجيش العراقي، • واستفادة التنظيم من تدفّق السلاح إلى الساحة السورية والعراقية من مصادر خارجية – رسمية وغير رسمية – خلال سنوات الحرب السورية. هنا يصبح السلاح نفسه جزءًا من بنية الجريمة، لا مجرد أداة محايدة. خامسًا: الإيزيديون بين الإبادة والتشرّد – مخيمات لا تنتهي رغم مرور عشر سنوات تقريبًا على جريمة سنجار، ما يزال عشرات الآلاف من الإيزيديين في مخيمات النزوح في إقليم كردستان العراق، في ظروف معيشية توصف بأنها غير إنسانية وغير مستدامة: • بيانات UNHCR تشير إلى أن أكثر من 100 ألف نازح داخلي ما زالوا يعيشون في مخيمات في إقليم كردستان، كثير منهم من الإيزيديين من سنجار.  • تقارير عن مخيمات مثل خانكي (Khanke) وشاريا (Shariya) تصف “بحرًا من الخيام والأغطية البلاستيكية” مع بنية تحتية متدهورة، وخيم قديمة لا تتحمّل الشتاء والصيف، وقيودًا على فرص العمل والحركة.  تقرير منظمة الهجرة الدولية IOM حول “نزوح الإيزيديين والهجرة من العراق” يشير إلى أن:  • قرار الحكومة العراقية في كانون الثاني/يناير 2024 بإغلاق ما تبقى من 23 مخيمًا في إقليم كردستان قبل 30 حزيران/يونيو، • يتم دون توفير حلول مستدامة حقيقية في سنجار من حيث الأمن والخدمات والسكن، • ما يدفع كثيرًا من الإيزيديين، خصوصًا الشباب، إلى الهجرة خارج العراق بدلًا من العودة إلى منطقة مدمَّرة ومهمَّشة. من جهة أخرى، تقارير عن حقوق السكن والأرض والملكية في سنجار توثّق حجم الدمار، وغياب التعويضات، وتعقيد النزاعات على الملكية بعد سيطرة جهات مسلحة متعددة وترك المنطقة ساحة صراع نفوذ بين بغداد وأربيل وقوى أخرى.  صمت الدولة والمجتمع الدولي • يشعر الإيزيديون بأن بغداد “تخلّت عنهم” ولم تعترف سياسيًا وقانونيًا بما يكفي بالإبادة الجماعية ضدهم، كما توثق دراسات عن تصورات الإيزيديين للعدالة والمصالحة.  • ورغم بعض الخطوات التشريعية المحدودة، ما تزال آليات التعويض، وإعادة الإعمار، وإعادة الإدماج، ومحاكمات الجناة دون مستوى الجريمة المرتكبة وضحاياها. وهكذا، تصبح المخيمات امتدادًا للإبادة: إبادة في المكان، تليها إبادة بطيئة في الزمن من خلال الفقر، وانعدام الأفق، وتهجير الأجيال. سادسًا: المسؤولية غير المباشرة – من يمول السلاح يتحمّل نصيبًا من الجريمة من منظور القانون الدولي الجنائي: • مَن يقدّم السلاح أو يسهل تقديمه مع علمه باحتمال استخدامه في جرائم إبادة أو جرائم ضد الإنسانية، • أو يواصل التسليح رغم التقارير الاستخباراتية والأممية التي تحذر من سيطرة جماعات جهادية على مسرح العمليات، يمكن أن يقع تحت مفهوم: المساعدة والتحريض (aiding and abetting) أو المشاركة في مشروع إجرامي مشترك (Joint Criminal Enterprise) في بعض النظريات الفقهية والقضائية. التقارير الأممية عن مسارات السلاح من ليبيا، والتحقيقات الاستقصائية حول “الخط الفأري”، وبرنامج Timber Sycamore، والوثائق الاستخباراتية التي حذّرت مبكرًا من قيام “إمارة سلفية” – كلها تشكّل سلسلة وقائع تدفع إلى إعادة طرح سؤال: هل يمكن حصر المسؤولية في داعش وحده، أم أن هناك مسؤولية دولية أوسع على الدول التي سلّحت، وغضّت الطرف، وأدارت برامج تسليح غير منضبطة في بيئة معروفة بالاختراق الجهادي؟ خاتمة: من التحقيق إلى الدعوى… ومن المخيم إلى المحكمة قضية الإيزيديين ليست مأساة محلية، بل اختبار عالمي لمفهوم العدالة في عصر الحروب بالوكالة:
1. على المستوى القانوني: • يمكن الدفع باتجاه دعاوى مدنية وجنائية أمام محاكم وطنية في دول شاركت في التسليح، استنادًا إلى قواعد المسؤولية عن المساعدة في الجرائم الدولية الجسيمة، • والاستناد إلى التقارير الأممية والوثائق الاستخباراتية المنشورة كقرائن على العلم المسبق بالمخاطر.
2. على المستوى السياسي: • الاعتراف الرسمي بالإبادة، • إنشاء آلية دولية خاصة أو محكمة مختلطة لجرائم داعش ضد الإيزيديين، • ربط أي عمليات نزع سلاح أو إعادة إعمار في المنطقة بضمانات حقيقية لعودة الإيزيديين بكرامة وأمان.
3. على المستوى الإنساني: • إنهاء عصر المخيمات المفتوحة بلا أفق، • وإطلاق برامج شاملة لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للضحايا، • وتثبيت حقوق السكن والأرض والملكية في سنجار. إن السلاح الذي خرج من مخازن الجيوش ليستقر في أيدي الجماعات الجهادية، هو في الحقيقة تجسيد مادي لقرارات سياسية؛ وحين يتحوّل إلى أداة إبادة ضد أقلية دينية مسالمة مثل الإيزيديين، فإن سلسلة المسؤولية لا تتوقف عند إصبع المنفِّذ الذي ضغط الزناد، بل تبدأ من القلم الذي وقّع على صفقة السلاح الأولى.



