في لقاء تلفزيوني جرى قبل ايام ، هاجم اثنان من الإسلاميين المحاور الثالث وهو شيوعي، متهمين الشيوعيين بالكفر والإلحاد. وهي تهمة يكررها غالبية الإسلاميين بحق الشيوعيين العراقيين، دون أن يستطيعوا كما غيرهم وعلى مر تاريخ نضال الحزب الشيوعي العراقي الممتد لاكثر من تسعة عقود، تقديم وثيقة أو نص من صحيفة أو بيان رسمي للحزب يدعو إلى الإلحاد بصفته موقف عقائدي للحزب، او يتم تثقيف اعضاءه به.
ارى وقبل توزيع صكوك الكفر والإيمان على الناس كما فعل المحاورين في ذلك البرنامج مناقشة مفهوم الكفر نفسه، لأسأل الاسلاميين عمّا يقوله التراث الاسلامي عن الكفر، وعلى من تنطبق اوصافه وتفسيراته، بعيدا عن مفهوم العقاب البشري، لان الله هو من يحاسب البشر على الضمائر والعقائد، ودور رجال الدين هو النصيحة فقط، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في الآيات التالية ” {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 22].• {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40].• {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} [الغاشية: 25-26].
الكفر باللغة العربية يعني الستر والتغطية، والكفر جاء من الجذر (كـ فـ ر)، يقال كفر الرجل درعه اي غطاه بثوب. والكفر ضد الايمان، لان الكافر يستر الحق ويغطيه بالباطل وبجحوده. والليل كافر وفق تفسيرات رجال الدين ، ولان الضيفين شيعيين، ارى العودة لتفاسير الشيعة في تفسيره اي الكفر ومعناه، لنعرف من خلاله من هو الكافر ومن هو الجاحد؟.
يقول الشيخ الطبرسي في تفسير “مجمع البيان”: يذكر عند تفسير الآيات الدالة على الكفر: ” والكفار: الزراع هنا، لأن الزارع يغطي البذر. وكل شيء قد غطيته فقد كفرته، ومنه يقال لليل: كافر، لأنه يستر بظلمته كل شيء” واستشهد ببيت شعر لبيد بن ربيعة العامري: “في ليلة كَفَرَ النجومَ غمامُها” (أي غطاها السحاب).
كما يقول الشيخ الطوسي بحق الكفر في “التبيان في تفسير القرآن”: قائلاً: ” والكفر هو الجحود والستر، ولذلك سمي الليل كافرا لظلمته”، ويضيف أن الزارع أيضاً يسمى كافرا في اللغة لكونه يغطي البذر بالتراب. اما القرآن فيقول في الآية 20 من سورة الحديد : ” ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ أي: الزّارعين)، وتُسمّى الكفّارات بذلك لأنها تستر الذنوب.
وإذا انتقلنا من الجدل العقائدي الذي يريده الاسلاميون كسلاح لمهاجمة منتقديهم وسياساتهم المدمرة لغياب الوعي عن شرائح واسعة من العراقيين اليوم، وذهبنا إلى الواقع العراقي المعاش، سنجد أمامنا ممارسات لا يمكن تبريرها بخطاب ديني ولا أخلاقي، ولا التستر عليها بالعمائم أو الشعارات الإسلامية، لان التستر هنا يعتبر كفرا . فسرقة أموال الأرامل واليتامى، وخيانة الوطن، والرشوة، والفساد، والإفساد في الحكم، وشراء ذمم الناس بالمال من أجل الهيمنة على السلطة، وشراء مواقف “إعلاميين ومثقفين ” لتلميع الفساد والخراب، كلها ممارسات تنتهك القيم الأخلاقية التي يدعي أصحاب الخطاب الديني الدفاع عنها.
أما إشاعة الفقر وهو منبع الكفر بين الناس، ونهب المال العام وحرمان المواطنين من حقوقهم، وتحويل الدين إلى وسيلة للسيطرة السياسية والمالية، فهي ممارسات تستحق الإدانة بل والمحاسبة الشديدة خصوصا والبلد يسير نحو الانهيار الاقتصادي الشامل، لا التغطية على الفقر والفساد والرشوة بخطاب الوعظ الديني. فالفقر هو من يجعل الناس تكفر، وهذا بالضبط ما قاله ابا ذر الغفاري رفيق الامام علي حينما قال: “اذا ذهب الفقر الى بلد قال له الكفر خذني معك”. اما الامام علي فذهب الى ابعد من ذلك حينما قال : لو كان الفقر رجلا لقتلته.
ولو عرفنا ان نسبة الفقر في العراق وفق بيانات واحصاءات وزارة التخطيط العراقية تبلغ 17.5 % ، فإننا نتحدث عن ملايين المواطنين الذين يعانون الفقر أو تداعياته، في بلد يمتلك ثروات طبيعية هائلة. وهنا يحق لنا أن نسأل المحاورين الاسلاميين ومعهما كل الاحزاب الاسلامية وميليشياتها والعمائم التي امتهنت السياسة، عمّن يتحمل مسؤولية هذا الواقع المزري الذي يعيشه شعبنا؟ ومن يحكم البلاد منذ الاحتلال لليوم؟ وأين ذهبت الأموال التي كان يفترض أن تتحول إلى خدمات وفرص عمل وتعليم ورعاية اجتماعية؟
وانتم ايها السادة تسارعون الى اتهام الشيوعيين بالكفر والالحاد، فمن حقنا ان نسألكم: عن الوصف الاخلاقي الذي يستحقه من يسرق أموال الفقراء و يعبث بمقدرات البلد، أو يتاجر بمقدسات الناس ومشاعرهم لتحقيق مصالح حزبية وشخصية؟ وأي معنى يبقى للحديث عن الإيمان والتقوى التي نراها في حساباتكم المصرفية وانتم تحولون الدين الى غطاء لفسادكم، وتبنيكم الدين كوسيلة لشراء الولاءات وإسكات الأصوات التي تنتقد ما تمر به البلاد من مصاعب؟
إننا هنا لسنا بصدد توزيع صكوك الكفر والإيمان على الناس، كما يفعل بعض الإسلاميون مع خصومهم السياسيين، ولا ندعي امتلاك الحقيقة ولا امتلاكنا لسلطة دينية للحكم على عقائدهم. لكننا نسأل: هل يستقيم ادعاء الإيمان والتقوى مع سرقة أموال الفقراء ونهب المال العام، والرشوة وشراء ذمم المحتاجين والمتاجرة بمقدسات الناس ومشاعرهم؟ وهل ينسجم مع الظلم والفساد والاعتداء على حقوق الناس؟ اليس من الافضل لمن يتصدى للحكم على عقائد الآخرين وتكفيرهم أن يبدأ بمحاسبة من يرفعون الشعارات الدينية، في الوقت الذي توجه فيه إليهم اتهامات بالفساد واهدار المال العام؟
لسنا بحاجة إلى تكفير الفاسدين حتى ندين فسادهم، ولا إلى إصدار أحكام على عقائدهم حتى نطالب بمحاسبتهم. فالسرقة جريمة، والرشوة فساد، ونهب المال العام اعتداء على حقوق المواطنين، والمتاجرة بالدين لتحقيق المصالح السياسية استغلال لمعتقدات الناس ومشاعرهم. وهذه أفعال تستوجب الإدانة والمساءلة، مهما كانت الشعارات التي يرفعها مرتكبوها.
إن الفساد والافساد والرشوة وشراء ذمم الناس لفقرهم ، وبيع “اعلاميين وصحفيين وكتاب” اصواتهم واقلامهم لسلطة فاسدة دمرت البلاد بسياستها غير العقلانية من اجل تلميع صورتها امام الجماهير، ومن خلال فهمنا للدين النقي قبل ان تلوثه الاحزاب الاسلامية هي من كبائر الذنوب، وظلم عظيم. ووالله أن هذا الظلم، ليس من كبائر الامور فحسب، بل هو اقرب الى الكفر بعينه، ان لم يكن هو الكفر بكل معانيه ونحن نتحدث عن واقع رث نعيشه.
ان الاسلام السياسي بالعراق وهو يملأ العراق فسقا وجورا، ليس من حقه محاسبة الناس عن كفرهم وايمانهم، لان الله هو الحاكم وهو من يحاسب الناس يوم القيامة، وكما جاء في سورة الرعد: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾. فهل نصّبتم انفسكم ربا لتحاكمون الناس عن كفرهم وايمانهم، وانتم الفاسدون!؟
ختاما نقول ان السؤال الذي كان يجب طرحه في ذلك اللقاء التلفزيوني ليس: هل الشيوعي كافر؟ بل: ماذا فعل الذين يرفعون راية الدين بالعراق والعراقيين؟
زكي رضا
الدنمارك
22/10/2026




