لم يعد الجدل يدور اليوم حول ما إذا كان نظام الملالي يشكل مصدر تهديد للاستقرار الإقليمي، بل حول الكيفية الأكثر فاعلية للتعامل مع هذا التهديد بعد أن أثبتت السنوات الماضية، ولا سيما التطورات الأخيرة في المنطقة، أن سياسة الاحتواء والمساومات لم تنجح في تغيير سلوكه. فما تزال طهران تعتمد النهج ذاته القائم على تصدير الأزمات، وتوظيف الميليشيات، وإثارة التوترات الطائفية، واستخدام التصعيد الخارجي وسيلة للهروب من أزماتها الداخلية.
إن حالة عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة اليوم، وما رافقها من اعتداءات وتهديدات طالت عددا من الدول العربية، ليست أحداثا منفصلة عن الاستراتيجية التي تبناها نظام ولاية الفقيه منذ قيامه. فقد جعل هذا النظام من التدخل في شؤون الدول، وبناء شبكات من الوكلاء المسلحين، إحدى أهم أدوات توسيع نفوذه، في وقت تتزايد فيه أزماته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية داخل إيران.
والأخطر من ذلك أن المشروع الذي يسعى إلى تصديره ليس مجرد نفوذ سياسي، بل نموذج حكم أثبت فشله داخل إيران نفسها. فبعد أكثر من أربعة عقود، لم يحقق هذا النموذج للشعب الإيراني سوى القمع، وتقييد الحريات، والعزلة الدولية، والانهيار الاقتصادي، بينما تحولت موارد البلاد إلى تمويل مشاريع خارجية وميليشيات عابرة للحدود. ومن هنا، فإن القلق الإقليمي والدولي لا يتعلق فقط بسلوك النظام، وإنما أيضا بمحاولاته تكريس هذا النموذج في بيئات أخرى.
ومنذ سنوات مبكرة، حذر عدد من قادة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، ومن بينهم محمد محدثين، من أن التطرف الديني الذي يتبناه النظام الإيراني سيغدو أحد أبرز مصادر تهديد الأمن والسلم في المنطقة والعالم. وقد أثبتت الوقائع اللاحقة صحة هذه التحذيرات، إذ أصبحت مناطق النفوذ الإيراني بؤرا للأزمات والصراعات، فيما استفادت التنظيمات المتطرفة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من البيئة التي ساهمت سياسات طهران في إنتاجها وإدامتها.
لكن التجربة أثبتت أيضا أن الضغوط العسكرية أو العقوبات الاقتصادية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتغيير سلوك هذا النظام. فهو يمتلك قدرة كبيرة على التكيف مع الضغوط الخارجية، غير أن نقطة ضعفه الحقيقية تكمن في الداخل الإيراني، حيث تتسع الهوة بين السلطة والمجتمع، وتتكرر موجات الاحتجاج، وتتزايد مظاهر الرفض الشعبي، في وقت تلجأ فيه السلطات إلى مزيد من الاعتقالات والإعدامات والقمع للحفاظ على بقائها.
ولهذا، فإن ملف حقوق الإنسان لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره قضية أخلاقية أو إنسانية فحسب، بل باعتباره أحد أكثر الملفات تأثيرا في مستقبل النظام. فمنذ الأيام الأولى لقيام هذا النظام، كان القمع هو الركيزة الأولى التي استند إليها النظام لفرض سلطته وترسيخ حكمه. ولذلك، فإن أي ضغط دولي جاد في هذا المجال يطال إحدى أهم دعائم بقائه، ويكشف هشاشته أمام الرأي العام الإيراني والدولي.
لقد أثبت الشعب الإيراني، عبر عقود من الاحتجاجات والمقاومة، أنه لم يتخل عن مطلب الحرية والتغيير رغم القمع المتواصل. وكلما ازدادت الضغوط الداخلية، سعى النظام إلى افتعال أزمات خارجية لصرف الأنظار عن أزماته البنيوية. ومن هنا، فإن دعم حقوق الشعب الإيراني في الحرية، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، ورفض سياسة الإفلات من العقاب، تمثل جميعها أدوات أكثر تأثيرا في إضعاف النظام من الاكتفاء بردود الفعل العسكرية أو الدبلوماسية المؤقتة.
إن مواجهة نظام الملالي لا تبدأ من ساحات المواجهة الخارجية فحسب، بل من استهداف الركيزة الأساسية التي قام عليها، وهي القمع المنهجي للشعب الإيراني. وعندما يفقد هذا النظام قدرته على إخضاع الداخل، فإنه سيفقد تدريجيا قدرته على تصدير الأزمات إلى الخارج. ولهذا، فإن الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني وحقه في الحرية والديمقراطية ليس مجرد موقف تضامني، بل هو استثمار حقيقي في أمن المنطقة واستقرارها ومستقبلها.



