قد تستعيد الشرطة شارعًا في ساعات، وتخسر الدولة مجتمعًا في سنوات. والفرق بين الحالتين هو الفرق بين من يملك الميدان ومن يملك الناس. فالقوى التي تفهم السياسة تعرف أن النفوذ يُبنى قبل الاحتجاج بزمن طويل، في المدرسة والجمعية والمنبر والمال، ثم يُقطف حين تنهار ثقة المواطن بدولته. لذلك تبدأ قراءة اضطرابات فرنسا وأوروبا من الشارع ولا تنتهي عنده. ما تلتقطه الكاميرا لحظة انفجار، وما سبقها علاقات ومصالح تراكمت بعيدًا عن العدسة.
الأزمة الاجتماعية حقيقية، وهي التي أخرجت الناس في 17 أكتوبر 2026: غلاء معيشة، ومدارس بلا مدرّسين، وخدمات تتراجع، وشباب يرى مستقبله أضيق من وعود النظام. هذه المطالب هي الوقود، لكن الوقود لا يحدد وجهة الحريق. ففي الساحة الواحدة يقف من يريد إصلاح المدرسة، ومن يريد إسقاط الحكومة، ومن يريد توسيع نفوذه العقائدي، ومن ينتظر فرصة للنهب. يلتقون في المكان ويفترقون في الغاية، ثم يتقدم الأكثر تنظيمًا ليتكلم باسم الجميع. ومن هنا ينشأ الفرق الحاسم بين صاحب المطلب وصاحب المشروع. الأول يحتج على وضعه ويعود إلى بيته، والثاني يبقى بعد المسيرة: يجمع الأسماء، ويجنّد الأنصار، ويدير الصفحات، ويحدد موعد التعبئة القادمة. صاحب المطلب يخسر غضبه بعد يوم، وصاحب المشروع يربحه إلى الأبد.
أول من يستثمر الصدام هم الراديكاليون الذين يعتمدون أسلوب «البلاك بلوك»: ملابس سوداء ووجوه مغطاة وحركة لا تُعرف فيها هوية الفرد. هؤلاء لا يحتاجون إلى كثرة، فمجموعة صغيرة قادرة على فرض إيقاعها على مسيرة أكبر منها بعشرات المرات، وتحويل الواجهة من مطلب اجتماعي إلى مواجهة مع الدولة. وليس الاسم منظمة بقيادة مركزية، بل أسلوب تنقله الخبرة والروابط بين البيئات الأوروبية دون حاجة إلى رأس واحد. ويقابلهم اللصوص الذين لا يحملون مشروعًا ويكتفون بالفراغ الأمني. وفي الطرف الآخر يقف اليمين المتشدد، وهو أكبر مستفيد انتخابي من مشاهد التخريب: كل واجهة محطمة تدعم روايته عن مجتمع مهدد، وكل خوف يتحول إلى صوت. ومهما اشتد العداء بين الراديكالي واليميني فكل منهما يقدم للآخر أفضل حججه، فالتصعيد من جهة يبرر التصعيد من الجهة المقابلة.
أما الإسلام السياسي فلا يعمل بمنطق الليلة الواحدة، بل بمنطق العقد. قوته في أنه يجمع ثلاثة أشياء قلما تجتمع في جهة واحدة: الخدمة والهوية والمرجعية. المؤسسة التي تساعد الأسرة وتعلّم الطفل وتختار الخطيب وتنظم النشاط الشبابي تستطيع، بعد سنوات، أن تحدد للفرد كيف يفسّر مظلوميته ومن يعتبره خصمه وأي موقف سياسي يتخذ. وحين تُغلق هذه الدائرة يصبح الفرد مرتبطًا بوسيط يتكلم عنه أمام الدولة ويرسم له مكانه في المجتمع. هنا تتحول المساعدة إلى تبعية والانتماء الديني إلى التزام سياسي.
وتفسّر هذه الآلية أهمية التمويل. فقد تناول تقرير وزارة الداخلية الفرنسية الصادر في مايو 2025، والمواد البرلمانية اللاحقة، شبكات الإخوان في أوروبا ومنها: «مسلمو فرنسا»، وهو الاسم الجديد لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، وتعدّه التقارير الرسمية أبرز التنظيمات الفرنسية المرتبطة تاريخيًا بالإخوان؛ و«مجلس مسلمي أوروبا»؛ و«FEMYSO»، منتدى المنظمات الشبابية والطلابية الإسلامية الأوروبية، الذي ناقشت المواد البرلمانية صلاته بالشبكة الإخوانية واستفادته من منح أوروبية؛ و«قطر الخيرية»، التي كشف تحقيق «Qatar Papers» عام 2019 تمويلها مشاريع دينية وتعليمية في أوروبا. وتتحدث المواد نفسها عن دعم من قطر والكويت وتركيا إلى جانب التبرعات المحلية. هذه الأسماء والأرقام تقول إن هناك بنية مؤسسية تُموَّل وتُدار وتتوسع، وهي مادة لتحقيق سياسي ومالي مفتوح، وليست حكمًا على حدث بعينه.
ودلالة المال أبعد من ثمن مبنى أو نشاط. من يملك مورد الاستمرار تتفرغ كوادره، وتستقل منابره، وتتوسع شبكاته، ويصبر على الزمن، وهو ما لا تستطيع جماعة مرتجلة أن تفعله. والمجتمع الذي أنهكته الأزمات هو أسهل المجتمعات اختراقًا لمن يملك الصبر. ولا يحتاج المموّل إلى أن يأمر كل يوم، فقد تكفيه القدرة على تحديد الأولويات واختيار القيادات وصياغة الخطاب. لذلك يجب أن يتتبع الباحث الاعتماد المؤسسي وتحولات المواقف، لا التحويلات المالية وحدها.
ويظهر الخطر الحقيقي حين يتحول المنبر الديني إلى قيادة سياسية للحشد. من يحتكر الكلام ويختار الرموز ويوحّد الهتاف ويصنع صورة الجماعة المتجانسة يحصل على سلطة تمثيل تتجاوز تفويضه الفعلي. وتتحول القضية التي اجتمع الناس لأجلها إلى جسر يعبر عليه التنظيم إلى المجال العام. وكلما ساوى التنظيم بين نقده والعداء للدين ارتفعت كلفة مساءلته، وضاقت المساحة أمام المسلمين الذين يرفضون وصايته، وهم أول المتضررين وآخر من يُسمع صوته. والفيصل في ذلك كله السلوك لا الهوية: تمجيد العنف، وفرض الطاعة، ورفض المساواة، وإسكات المخالف. أما الدين واللغة والمظهر فلا يدلّان على شيء.
وتكتمل الصورة حين نرى التقاء هذا المشروع مع بعض القوى اليسارية. اليسار يجد في هذا الجمهور قاعدة انتخابية، والتنظيمات الدينية تجد في خطاب مناهضة العنصرية والاستعمار حماية وتحالفًا مؤقتًا. يلتقيان على خصم مشترك ويؤجلان كل ما يفرّقهما: حرية الاعتقاد، ومساواة المرأة، وحق الفرد في ترك الجماعة. والمأزق أن الدفاع عن جماعة ضد التمييز يتحول إلى تنازل عن حق أفرادها في التحرر من قيادتها. وهذا هو الاختبار الذي يكشف أي خطاب تحرري: كم من الحرية يمنح لمن يرفض سلطته؟
ويضيف التاريخ الاستعماري مادة تعبئة هائلة. جرائم فرنسا وبريطانيا حقيقية وتستحق البحث والمحاسبة، لكن حين تُستدعى لتبرير مشروع سلطوي معاصر تتحول الذاكرة إلى ابتزاز: تُحمَّل المجتمعات الأوروبية ذنبًا موروثًا، ويُطلب منها قبول وصاية جديدة بوصفها تعويضًا تاريخيًا. وتضيع حقوق ضحايا الاستعمار مرة أخرى حين يحتكر الكلام باسمهم من يريد إخضاع أحفادهم لمرجعية بديلة. وكذلك صور الأندلس والمجد العثماني، فهي مخيال تستعيده بعض الحركات لتمنح مشروعها امتدادًا ورسالة. والمفارقة أن هذه الحركات تستعمل حريات أوروبا نفسها: تنظّم وتدعو وتموّل وتشارك في الانتخابات، ثم تحجب الحرية عن المختلف، فتطلب حماية اختيارها الديني وتعاقب اجتماعيًا من يختار مغادرته.
والدولة ليست متفرجة على هذا كله. الحكومات الأوروبية تتحرك بين حماية القانون وحسابات الانتخابات والمصالح الخارجية. يغريها وسيط قادر على تهدئة حي أو حشد أصوات، فتمنحه اعترافًا يرسّخ احتكاره للتمثيل. وتؤجل مساءلة شبكة نفوذ خشية كلفة دبلوماسية أو اقتصادية، ثم تواجه لاحقًا قوة ساهم تساهلها في ترسيخها. والقمع المنفلت يوسّع جمهور الراديكاليين، والتهاون مع العنف يترك أصحاب المطالب والتجار والسكان بلا حماية. وفي الوقت نفسه تتنافس الأحزاب على حصيلة الأزمة: الحكومة تتهم اليسار الراديكالي واللصوص وتستعمل التخريب لنزع الشرعية عن خصومها، والمعارضة، ومنها جان لوك ميلانشون وحزب «فرنسا الأبية» الذي يرفض تحميله المسؤولية، تحوّل كل إجراء أمني إلى دليل استبداد. والاتهام السياسي لا يغني عن إثبات المسؤولية، كما أن خطاب المعارضة لا يعفي أصحابه من مساءلة أثر تعبئتهم.
ولا يحتاج الخارج كروسيا على سبيل المثال، إلى توجيه كل مواجهة ليجني أثرها، يكفيه مؤسسات وعلاقات قادرة على الضغط، وانقسام داخلي يستغله. ولا يحتاج الإعلام إلى اختلاق الحدث ليضلل، يكفيه أن يختار زاوية تجعل التخريب هو الاحتجاج كله، أو تجعل المظلومية تفسيرًا يعفي كل فاعل من المسؤولية.
وفي العمق، المعركة في أوروبا هي على من يملك العلاقة بين المواطن والدولة. فإذا تراجعت المؤسسات المشتركة تقدمت جماعات تعرض الحماية مقابل الولاء، والهوية مقابل الطاعة، والتمثيل مقابل الصمت. وعندها يصير المواطن تابعًا لوسيط ديني أو هوياتي، ويتحول غضبه الاجتماعي إلى رأس مال تتداوله مشروعات تتجاوز مطالبه. ومواجهة هذا المسار تقتضي دولة تحمي الناس وحقوقهم، وتكشف التمويل والتبعية، وتطبق القانون على التنظيم والسلوك مهما كانت الراية.
قد تُطفأ الحرائق، وتكون سلطة أخرى قد تمددت تحت دخانها. فمن يحتكر تفسير مظلومية الناس يوجّه غضبهم، ومن يحوّل غضبهم إلى ولاء يكسب سلطة لا يظهر اسمها في صور الحريق.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية




