نداء للبرجوازية الإيزيدية لبناء المستقبل! : خليل جندي رشو

يحتمل المقال أكثر من عنوان، كأن نقول “من ثروة الأفراد إلى نهضة المجتمع“ أو “أين دور البرجوازية الإيزيدية في حركة الإصلاح؟ إلاّ أنى فضلتُ العنوان أعلاه بدل أغنياء، أو رجال أعمال الايزيدية، ورغم معرفتي بعدم تبلور برجوازية ايزيدية بالمعنى الاقتصادي المتعارف عليه لحد الآن. كما أكتب المقال بصيغة الجمع وليس المفرد، لأني على قناعة تامة أن هنالك الكثيرون يفكرون مثلي، لكنهم ربما لا يحسنون التعبير.

بدءاً، ليس من العدل أن نحاكم مجتمعاً بحجم ثروات أبنائه، بل بمقدار ما يستطيع تحويل هذه الثروات إلى قوة بناء وتغيير وإصلاح. فالمجتمعات لا تنهض بالأمنيات وحدها، ولا بالشعارات، ولا بالحنين إلى أمجاد الماضي، وإنما تنهض عندما تتلاقى الإرادة الفكرية مع الإمكانات الاقتصادية، وعندما يدرك أصحاب المال والنفوذ أن مسؤوليتهم تجاه مجتمعهم تتجاوز حدود مصالحهم الشخصية والتجارية.

من هنا يبرز سؤال يستحق أن يطرح بصراحة، وربما بشيء من العتاب: أين يقف الأثرياء ورجال الأعمال الإيزيديون، وخاصة أولئك الذين راكموا ثرواتهم ونفوذهم في مدن العراق (بغداد، دهوك، أربيل، نينوى)، وفي أوروبا، خاصة ألمانيا، وأرمينيا، من مشروع الإصلاح والنهوض بالمجتمع الإيزيدي؟

لا شك أن بين الإيزيديين رجال أعمال ناجحين وأصحاب إمكانات اقتصادية مهمة، استطاعوا بجهودهم أن يحققوا مكانة مالية واجتماعية مرموقة. وهذا أمر يستحق التقدير. لكن السؤال ليس ماذا حقق هؤلاء لأنفسهم، وإنما ماذا يمكن أن يحققوا لمجتمعهم؟ وما المشروع التاريخي الذي يمكن أن يتركوه للأجيال القادمة؟

 

إن الثروة التي لا تتحول إلى مشروع اجتماعي وثقافي وتعليمي وإصلاحي تظل ثروة فردية، مهما بلغ حجمها، ولا تصبح قوة تاريخية إلاّ عندما تتجاوز صاحبها.

لننظر إلى تجارب الشعوب الأخرى، وخاصة البرجوازية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، نجد أن صعود البرجوازية لم يكن مجرد تحول اقتصادي، أو انتقال للثروة من طبقة إلى أخرى، بل كان أحد العوامل المهمة التي ساهمت في إعادة تشكيل المجتمع الأوروبي.وقد أدركت قطاعات من البرجوازية الأوروبية أن مصالحها لا تنفصل عن وجود مؤسسات حديثة، وتعليم متطور، وقوانين أكثر عدالة، وصحافة حرة، وثقافة علمية، وحياة مدنية تقوم على الحقوق والمواطنة. وبذلك ساهم أصحاب رؤوس الأموال والتجار والصناعيون والمثقفون في دعم الجامعات والمدارس ودور النشر والصحف والجمعيات العلمية والمؤسسات الخيرية. كما لعبوا أدواراً متفاوتة في الحركات الداعية إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي، وفي التحولات التي مهدت لقيام الدولة الحديثة.

من المعروف للكثير من المتابعين، ان تلك التجربة لم تكن مثالية، ولم تكن تلك البرجوازية كتلة واحدة متجانسة أو خالية من المصالح والأنانية والتناقضات، لكنها قدمتدرساً تاريخياً مهماً، ألا وهي عندما تتجاوز الطبقة الاقتصادية الناجحة حدود مصالحها الخاصة، وتستثمر جزءاً من إمكاناتها في دعم وبناء المؤسسات، فإنها تستطيع أن تتحول إلى قوة مؤثرة في تاريخ مجتمعها.

وهنا تكمن العبرة التي ينبغي أن نتوقف عندها نحن الإيزيديين. ونأخذ تجربة المرحوم ميرزا جولو عندما تمكن من تحويل المال إلى ذاكرة وهوية، حيث ارتبط اسمه ببناء أكبر مزار باسم (سلطان إيزي) في أرمينيا بتاريخ 29 أيلول عام 2019. ويشرفنا هنا أن نشير إلى تجربة فريدة للملياردير الوطني الكردي، الأستاذ (فاروق مصطفى رسول) الذي وضع جميع رأسماله في مدينته السليمانية، ولم يستثمرها في مكان آخر؛ إذ بنى بها المستشفيات ومعامل الاسمنت، والفنادق ودور السياحة والترفيه، والمكتبات، فضلاً عن الاستثمار في شبكة الاتصالات (آسيا سيل).

إن أهمية هذه المبادرة فيما يخص المرحوم ميرزا جولو، لا تكمن في حجم البناء وحده، ولا في قيمته المعمارية أو الدينية فحسب، بل في الرسالة التي حملها ويحملها هذا المشروع؛ إذ تحول المزار إلى مكان يجتمع فيه الإيزيديون من دول عديدة، ومناطق مختلفة، ولا سيما خلال شهر أيلول من كل عام، ليصبح فضاءً للتواصل والتلاقي واستعادة الذاكرة الجماعية وتعزيز الشعور بالانتماء. أما فيما تخص مبادرات السيد فاروق مصطفى رسول، فهي رسائل تضرب عمق الانتماء الوطني والقومي والإنساني.

وهذا هو المعنى العميق للمبادرات التي يستطيع رجال الأعمال من تحويل جزء من نجاحهم الاقتصادي إلى مشاريع يبقون بعدهم، ويحفرون اسمائهم في صفحاتتاريخ شعوبهم، ويخدمون مجتمعهم، ويمنحون الأجيال القادمة مكاناً يجتمعون فيه ويستمدون منه الشعور بالهوية والاستمرارية.

إن تجربة ميرزا جولو تطرح أمام رجال الأعمال الإيزيديين في العراق وأوروبا سؤالاً مشروعاً: إذا كان رجل أعمال إيزيدي في أرمينيا استطاع أن يترك أثراً بهذا الحجم في الحياة الدينية والاجتماعية لمجتمعه، فلماذا لا يستطيع أصحاب الإمكانات الاقتصادية الأكبر أن يساهموا في إطلاق مشاريع إصلاحية وثقافية وتعليمية ومؤسساتية مماثلة، تتناسب مع احتياجات الإيزيديين في العراق وألمانيا، وربما دول أخرى؟

فالمطلوب ليس أن يبني الجميع مزارات، ولا أن تتكرر التجربة نفسها في كل مكان، وإنما أن نفهم فلسفتها؛وأن يتحول النجاح الفردي إلى إنجاز جماعي، وأن يصبح المال وسيلة لصناعة المستقبل، لا مجرد أداة لتوسيع النفوذ الشخصي.

إن وجود رجال أعمال إيزيديين في العراق (بغداد، دهوك، أربيل، نينوى)، وفي أوروبا بما يمتلكونه من علاقات اقتصادية واجتماعية وخبرات وإمكانات مالية، يمثل فرصة مهمة ينبغي ألا تضيع. فالمجتمع الإيزيدي لا يحتاج إلى المساعدات الموسمية وحدها، ولا إلى التبرعات التي تُقدم عند وقوع الكوارث والأزمات فحسب. إنه يحتاج إلى مشروع طويل الأمد، وإلى رؤية إصلاحية تتعامل مع جذور مشكلاته، وتعمل على بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار.

لقد كشفت المآسي التي تعرض لها الإيزيديون، ولا سيما كارثة الإبادة الجماعية عام 2014، عن هشاشة جوانب عديدة في واقعنا الاجتماعي والمؤسساتي، وعن الحاجة الملحة إلى إعادة بناء الثقة، وتطوير التعليم، وتمكين الشباب، وتعزيز دور المرأة، وحماية التراث الديني والثقافي، وإعداد قيادات جديدة تمتلك الوعي والكفاءة والاستقلالية، وهذا ما توقف عنده وتبناه (كونغرس ايزيدية المهجر KED) في مؤتمر هانوفر 13-14/9/2025.

من المؤسف أن تبقى هذه الملفات في كثير من الأحيان رهينة المبادرات الفردية المحدودة، أو التجاذبات السياسية والشخصية، في حين أن المجتمع يمتلك طاقات بشرية واقتصادية يمكن أن تكون أساساً لنهضة حقيقية إذا جرى تنظيمها وتوجيهها.

إن رجال الأعمال ليسوا مطالبين بأن يحلوا محل رجال الدين أو المثقفين أو السياسيين، وليس المطلوب منهم شراء المواقف، أو فرض الوصاية على المجتمع، بلالمطلوب أن يدركوا أن التنمية والإصلاح مسؤولية مشتركة، وأن دعم المؤسسات المستقلة لا ينتقص من مكانتهم، بل يرفع من قيمتهم التاريخية والاجتماعية.

ما الذي يمكن أن تقدمه البرجوازية الإيزيدية؟

إن الحديث عن الإصلاح ينبغي ألا يبقى في إطار العتاب الأخلاقي، بل يجب أن يتحول إلى برنامج عملي واضح. ويمكن لرجال الأعمال الإيزيديين أن يطلقوا مبادرات نوعية، من بينها:

* إنشاء صندوق إيزيدي للتنمية والتعليم، يقوم بتمويل المنح الدراسية للطلبة المتفوقين، ويساعد الشباب على استكمال دراستهم في الجامعات العراقية والأجنبية، ويدعم البحوث والدراسات المتعلقة بتاريخ الإيزيديين وثقافتهم.

* دعم المشاريع الاقتصادية للشباب من خلال إنشاء صناديق تمويل صغيرة ومتوسطة، وتوفير التدريب والخبرة وفرص العمل، بدلاً من إبقاء الشباب في دائرة البطالة والاعتماد على المساعدات.

* دعم المؤسسات الإصلاحية المستقلة التي تعمل على تطوير الخطاب الديني والاجتماعي، وترسيخ قيم التسامح والمواطنة والمساواة، ومواجهة مظاهر الجمود والانغلاق والتمييز.

* إنشاء مؤسسة إيزيدية جامعة للعمل الخيري والتنموي،تعمل وفق معايير الإدارة الحديثة والشفافية والمحاسبة، وتكون بعيدة عن المصالح الحزبية والشخصية.

* تأسيس معهد أو جامعة أهلية، أو مركز ثقافي وفكري إيزيدي حديث، يكون مؤسسة مستقلة تُعنى بالحوار والإبداع والبحث العلمي، وتوثيق التراث واللغة والأدب والتاريخ، وتفتح أبوابها أمام المثقفين والباحثين من مختلف الاتجاهات.

الإصلاح استثمار في مستقبل الجميع. وهنا من المهم التأكيد على أن هذه الدعوة ليست مطالبة للأثرياء بالتخلي عن ثرواتهم، ولا دعوة إلى تحميلهم وحدهم مسؤولية أزمات المجتمع، ومن حق كل إنسان أن يعمل وينجح ويستثمر ويحافظ على مصالحه الاقتصادية، لكن من حق المجتمع أيضاً أن يتطلع إلى مساهمة أبنائه الناجحين في معالجة قضاياه الكبرى.

إن رجل الأعمال الذي يبني مؤسسة تعليمية، أو يمول مركزاً ثقافياً، أو يؤسس صندوقاً لدعم الشباب، لا يقدم صدقة عابرة، بل يستثمر في بيئة اجتماعية أكثر استقراراً ووعياً وقدرة على الإنتاج. والأثرياء الذين يساهمون في بناء مؤسسات مستقلة لا يخسرون مكانتهم، بل يكتسبون مكانة أعمق وأكثر دواماً من تلك التي تمنحها الثروة وحدها.

فالتاريخ لا يتذكر الإنسان دائماً بحجم الأموال التي يمتلكها، وإنما يتذكره بما ينجزه، وبما يتركه من مؤسسات، وبما يفتحه من أبواب أمام الأجيال التي تأتيبعده.

إن المجتمع الإيزيدي اليوم لا يريد أثرياء أكثر، بل يريد أثرياء أكثر مسؤولية، وإن المجتمع بحاجة إلى لحظة مراجعة شجاعة، وإلى إعادة تعريف العلاقة بين الثروة والمسؤولية، وبين النجاح الفردي والمصلحة العامة.

نحن لا نريد أن نضع رجال الأعمال في قفص الاتهام، ولا أن نقلل من جهودهم، وإنما نريد أن نطرح أمامهم سؤالاً تاريخياً وأخلاقياً: ماذا نريد أن يقال عنا أجيالنا بعد خمسين أو مئة سنة؟ هل نريد أن يذكرنا أبناؤنا بأننا كنا جيلاً امتلك المال والعلاقات والفرص، لكنه لم يستطع تحويلها إلى مؤسسات ومشاريع تنهض بمجتمعه؟ أم نريد أن يذكرونا بوصفنا جيلاً أدرك أن الثروة أمانة اجتماعية أيضاً، وأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلاّ عندما ينعكس خيراً على الآخرين؟

إن تجربة البرجوازية الأوروبية، مع اختلاف ظروفها التاريخية، وتجربة ميرزا جولو في أرمينيا، وفاروق مصطفى رسول، كلهم يقدمون لنا إشارة تستحق التأمل؛يمكن للمال أن يكون قوة للتغيير، ويمكن لرجل الأعمال أن يكون صانعاً للتاريخ، لا مجرد مستفيد من ظروفه.

لذلك فإن دعوتنا إلى رجال الأعمال والأثرياء الإيزيديين، وخاصة في العراق، وألمانيا، وأرمينيا وبقية بلدان أوروبا، الانتقال من مرحلة الثراء الفردي إلى مرحلة البناء الجماعي. فليكن لكل رجل أعمال إيزيدي مشروع يحمل بصمته واسمه، ولكل ثري مؤسسة تواصل العطاء بعد رحيله، ولكل نجاح فردي أثر في حياة المجتمع.

إن بناء مزار كبير يحفظ الذاكرة ويجمع الناس عمل عظيم، ولكن بناء مدرسة تصنع العقول، وجامعة تُخرج كوادر علمية، ومؤسسة تحمي الحقوق، ومركز ثقافي يحفظ الهوية، وصندوق يمكّن الشباب، هي أيضاً مزارات للمستقبل، وإن كانت من نوع آخر. فالثروة تزول، والمناصب تتغير، والأسماء قد تُنسى، لكن المؤسسات التي تُبنى بإخلاص تبقى شاهدة على أصحابها.

نقول، ربما آن الأوان لكي تتشكل برجوازية إيزيدية واعية، لا تقاس مكانتها بما تملك من أموال وعقارات، بل بما تسهم به في تحرير مجتمعها الايزيدي من التخلف والتبعية والجمود، وبما تتركه للأجيال القادمة من علم،وكرامة، ومؤسسات، وأمل.

خليل جندي

Bovenden في 3 تشرين الثاني 2026

2

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت