لماذا يعيش الشرق الأوسط فوق آبار الذهب وتحت خط الفقر؟
لو جلس نوروز اليوم على مقهى شعبي في الشرق الأوسط، وهو يشرب شيشة ويراقب أحدث “ترند” على تيك توك، لضرب رأسه بأقرب حائط وقال لنفسه: “عجباً! قوم يسبحون في بحيرات من النفط، ويملكون أراضي تُنبت الذهب، لكنهم يبحثون عن صكوك الغفران قبل أن يبحثوا عن رغيف الخبز
يا أصدقائي، دعونا نتفق على حقيقة قد تصدم الكثيرين: الأمم لا تُبنى بآبار النفط، بل بآبار العقل
فخ “لعنة الموارد”: عندما يغني البترول ويفتقر البشر
لو كانت الثروة الطبيعية هي مقياس تقدم الأمم، لكان العراق السودان –وهما من أغنى بقاع الأرض بالمياه والأراضي والثروات– في صدارة كوكب الأرض. ولكانت دول الخليج قد حققت جنة الخلد الاقتصادية منذ القرن الماضي دون الحاجة لتنويع مصادر دخلها. ولو كانت إيران وسوريا –بتاريخهما وإمكانياتهما– في قمة الازدهار
لكن الواقع يضحك بسخرية سوداء: الاعتماد على “الموارد الجاهزة” يقتل الابتكار، ويحول الإنسان من عقل منتج إلى كائن كسول ينتظر العطايا. نحن نملك أغلى ما في الأرض تحت أقدامنا، ولكننا نملك أرخص ما في السوق في طريقة تفكيرنا! الدول لا تغتنى بالمعادن، بل بالبشر، وسويسرا واليابان اللتان تكادان تخلوان من أي موارد طبيعية تبتسمان لنا ساخرتين من مقاعد العظمة والاقتصاد المزدهر
الحوار الصادم: “يا سيدي الشيخ، هل البنزين يشتري الديمقراطية؟
تخيلوا معي هذا الحوار القصير بين نوروز ومواطن شرقي غاضب
نوروز: أخبرني يا صديقي، لماذا تعاني بلادكم من الخراب والبطالة وأنتم تجلسون فوق بحار من الطاقة؟
المواطن (بعصبية): إنها المؤامرة الكونية! الاستعمار! أمريكا! واليهود
نوروز: العجيب أن أمريكا نفسها تأكل “همبرجر” وتصنع الهواتف التي تقاتلون بها في التعليقات، وأنت تشكو من المؤامرة بينما ترفض أن تشغل عقلك في أبسط قواعد المنطق. هل المؤامرة هي التي تمنعكم من بناء مصنع بدلاً من استيراد حتى “عصا المكنسة” من الخارج؟
المواطن: نحن أمة مقدسة، ولدينا الفتاوى التي تحل كل المشكلة
نوروز: ممتاز، هل تحل الفتوى أزمة الكهرباء؟ هل يستطيع الشيخ أن يضيء المصباح بنفخة بركة؟ إن البركة الحقيقية هي احترام العقل والعمل، أما أن تترك عقلك على رف المسجد وتطالب بالاقتصاد السويسري، فهذا أشبه بمن يأكل الحصى وينتظر أن تخرج في بطنه ذهباً
التخلف الديني كـ “فيروس” يلتهم الازدهار
وهنا تأتي الطامة الكبرى، والحقيقة التي يهرب منها الجميع كالمرعوبين: طالما أن التخلف الديني هو المسيطر والعقل مغيب، فلن ينعم الشرق الأوسط بيوم واحد من السلام أو الازدهار الاقتصادي
نحن لا نتحدث عن الدين كقيم روحية وأخلاقية، بل عن “الأدلجة المتطرفة” التي حوّلت الدين إلى شرطي مرور يراقب النوايا، ويحرم الابتكار، ويكفر الاختلاف، ويلغي السؤال
عندما يتحول المجتمع إلى ثكنة كهنوتية، يهرب المبدعون، وتغلق الجامعات أبوابها لتفتح دور الرقية، وتُستبدل عجلة الإنتاج بعجلة البكاء على الأطلال والصراعات المذهبية
الاقتصاد يحتاج إلى حرية، والتفكير يحتاج إلى جرأة، والسلام يحتاج إلى قبول الآخر. أما في عالمنا، فالشعارات الدينية تُرفع لتبرير الفشل، ويُستخدم الإيمان كمسكن للموجوعين بينما السارق الحقيقي ينهب مستقبل الأجيال تحت غطاء القداسة
الخلاصة المرة
يا أصدقائي، الشرق الأوسط لن ينهض أبداً ومفتاح “الجنة الاقتصادية” مربوط بقفل “غباء التطرف الديني”. طالما أننا نفضل الخرافة على العلم، والنص الجامد على العقل المرن، سنظل ندور في نفس الساقية: نبيع النفط لنشتري السلاح لنهدم بيوتنا بأيدينا
انهضوا من هذا السبات؛ فالأوطان لا تحميها الأدعية وحدها إن لم يسبقها عرق الجباه وعدالة القانون ونور العقل




