تتسع دائرة العزلة حول طهران مع اتخاذ القوى الأوروبية موقفاً أكثر حزماً لملاحقة النشاط الإيراني وتضييق الخناق على شبكات الملاحة والتمويل، بالتوازي مع العقوبات الاقتصادية الأمريكية المشددة.
هذا التحول الغربي المباشر جاء بعد التوترات الأخيرة في مضيق هرمز، مما أدى إلى تحول هذه الورقة من ممر للمناورة إلى محفز حاسم لتكثيف الضغوط الدولية على إيران واستهداف المؤسسات والبنوك الخارجية المتعاملة معها.
في المقابل، تتراجع فرص تعويل طهران على الصين كـ “طوق نجاة”، إذ يصطدم هذا الرهان بفرضية اقتصادية صارمة تحكم سياسة بكين.
فرغم الترويج السياسي لفكرة التحالف الاستراتيجي بين طهران وبكين، إلا أن لغة الأرقام في قطاعي التجارة والاستثمار ترسم واقعاً مختلفاً يقوم على براغماتية المصالح النفعية بدلاً من الشراكة المصيرية؛ ففي الوقت الذي باتت فيه إيران مرتهنة اقتصادياً للسوق الصينية، تتمتع بكين ببدائل طاقة متعددة وخيارات استثمارية واسعة في المنطقة.
حيث تشتري الصين نحو 90% من مبيعات النفط الإيراني، لتتحول بذلك إلى الشريان الوحيد تقريباً لضخ السيولة في شريان الاقتصاد الإيراني المحاصر بالعقوبات الأمريكية، رغم التحركات السعرية الهابطة للنفط وسط التوترات الجيوسياسية.
لكن الميزان يميل بشدة لصالح بكين عند مقارنة حجم الاعتماد المتبادل؛ إذ لا تتجاوز التجارة مع طهران نسبة 1% من إجمالي النشاط التجاري العالمي للصين، في حين تشكل بكين ثلث التجارة الخارجية لإيران بالكامل، وهو تفاوت صارخ يمنح العملاق الآسيوي اليد العليا في إدارة هذه العلاقة وفق حساباته الخاصة.
والصين دائما ما تضع مصالح شعبها ونموها الفعلي فوق أي اعتبارات أخرى..كما أن بكين ترتبط بشبكة مصالح استثمارية وتجارية ضخمة مع الولايات المتحدة والغرب ودول الخليج، ما يجعل التضحية بتلك العلاقات الاستراتيجية من أجل طهران أمراً غير وارد.
ورغم استيعاب السوق الصينية للجزء الأكبر من صادرات النفط الإيراني المتبقية، إلا أنها تشكل نسبة ضئيلة من واردات عملاق آسيا، بينما تمثل الصين الرئة الأساسية للتجارة الإيرانية.
ومن المتوقع أن تكتفي بكين بالانتقاد السياسي للعقوبات الأمريكية دون أن تتجه لخرقها عملياً، تجنباً لتعريض مؤسساتها لعقوبات ثانوية أو دخول مواجهة مباشرة مع واشنطن.
ونتيجة لهذه المعطيات وتراجع تدفقات السيولة الخارجية، تزداد الأزمة المعيشية عمقاً في الداخل الإيراني، حيث انحدرت مستويات الدخل الفردي لدرجات مأساوية لا تتجاوز عشرات الدولارات شهرياً.
وأمام انسداد القنوات المالية وتلويح العواصم الكبرى ببدائل للملاحة البحرية، أصبحت القيادة الإيرانية أمام خيارات معقدة تتطلب مراجعة المسار السياسي والعودة إلى طاولة المفاوضات قبل فوات الأوان.



