وثائق النزاهة تكشف: بهاء الأعرجي سرق المليارات.. والسوداني “راعيه” البرلماني

تكشف وثائق وتحقيقات هيئة النزاهة الاتحادية، التي حصلت عليها وكالة “أخبار البرهان” حصراً، تفاصيل صادمة عن رئيس ائتلاف “الإعمار والتنمية” النيابي، السيد بهاء حسين علي الأعرجي. ففي أقل من عقدين، تحوّل هذا السياسي من بائع هواتف متجول في لندن إلى أحد أثرى رجال العراق، وسط اتهامات رسمية بغسل الأموال والاستيلاء على عقارات الدولة.

فبينما يتحدث الأعرجي اليوم باسم “محاربة الفساد” في البرلمان العراقي، تثبت الوثائق أن ثروته قد قُدّرت بأكثر من 7.3 مليارات دولار، منها ما يقارب 3.9 مليارات نقداً في بنوك الإمارات وحدها. كما أحيل إلى القضاء بتهم “الكسب غير المشروع” و”الاستغلال الوظيفي”، وأصدر زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر مذكرة باعتقاله واحتجازه لمدة ثلاثة أشهر. وفي الوقت الذي يُتّهم فيه بهذه الجرائم، يُعتبر الأعرجي اليوم أبرز داعمي رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني في البرلمان.

—

ثانياً: السيرة الذاتية – من “نشال لندن” إلى قصر السندباد

ولد بهاء حسين علي الأعرجي عام 1967 في منطقة الكاظمية بالعاصمة بغداد، وحصل على البكالوريوس في القانون من جامعة بغداد. غادر العراق إلى أيرلندا طالباً للجوء، وحصل على جنسيتها، ثم انتقل إلى لندن. هناك عمل أجيراً في محل لبيع الهواتف النقالة في شارع كرومويل الشهير، لكنه طُرد عام 2001 بتهمة اختلاس نحو 8000 جنيه إسترليني من أموال الأقساط.

لكن الصدفة السياسية بعد احتلال العراق عام 2003 غيّرت مساره. عاد الأعرجي ليصبح قيادياً في التيار الصدري، متسلّقاً السلم السياسي بسرعة:

· عضو في الجمعية الوطنية العراقية ومقرر للجنة كتابة الدستور.
· رئيس اللجنة القانونية (2006–2010) ثم رئيس لجنة النزاهة البرلمانية (2010–2014).
· نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة في حكومة حيدر العبادي (2014–2015).
· رئيس ائتلاف “الإعمار والتنمية” النيابي حالياً.

ومع هذه المناصب، تحوّلت ثروته الصفرية إلى إمبراطورية تشمل قصر السندباد الفخم داخل المنطقة الخضراء، وعقارات في الكاظمية باسم زوجته، واستثمارات عقارية ضخمة في دبي ولندن.

—

ثالثاً: كشف الثروة – إمبراطورية 7.3 مليارات دولار في الظل

في تحقيق استقصائي نشرته مجلة “التجارة والأعمال” القطرية، تم تقدير ثروة الأعرجي في بنوك الإمارات العربية المتحدة وحدها بنحو 7.3 مليارات دولار، موزّعة كالتالي:

· نقداً في حسابات مصرفية: 3.9 مليارات دولار في بنوك دبي وأبوظبي.
· استثمارات عقارية: 671.4 مليون دولار ضمن عقارات في دبي والمنطقة.
· أسهم في شركات خليجية وعربية: 825 مليون دولار.
· مكاتب تجارية وسياحية: 532 مليون دولار.
· يخوت وأسطول نقل فاخر: 925 مليون دولار.
· تجارة نفطية غير معلنة: 720 مليون دولار.
· عقارات قيد الإنشاء في أوروبا والخليج: 1.4 مليار دولار.

هذه الأرقام تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف استطاع لاجئ كان يسكن شقة بلدية متواضعة في لندن قبل 2003 أن يمتلك هذه الثروة الخيالية في غضون سنوات من دخوله العمل السياسي؟

—

رابعاً: ملفات النزاهة والقضاء – الإحالة إلى المحاكمة

لم تمر هذه الثروة دون مراقبة. ففي 18 شباط (فبراير) 2016، أعلنت هيئة النزاهة العراقية إحالة الأعرجي إلى القضاء مع ثلاثة مسؤولين كبار آخرين، بتهم “الكسب غير المشروع” و”الاستغلال الوظيفي”. جوهر القضية هو وجود تضخم هائل في أصوله لا يتناسب مع دخله الرسمي.

وعند تدقيق ذمته المالية، خلصت دائرة الوقاية بهيئة النزاهة إلى أن جميع العقارات التي ادعى الأعرجي تملكها قبل 2003 هي مجرد إفادات كاذبة، وأنها تم الحصول عليها بعد توليه المناصب الرسمية.

—

خامساً: موقف التيار الصدري – اعتقال واحتجاز

الأمر لم يتوقف عند هيئة النزاهة. ففي 6 آذار (مارس) 2016، أصدر زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر أمراً بـ”احتجاز” الأعرجي في لجنة محاربة الفساد التابعة للتيار لمدة ثلاثة أشهر.

وجاء في بيان صادر عن لجنة محاربة الفساد حينها: “نود إعلام المواطنين الكرام أن المدعو بهاء حسين الأعرجي نائب رئيس الوزراء المستقيل محجوز في لجنة محاربة الفساد لمدة ثلاثة أشهر. وعلى كل من لديه شكوى أو حقوق في ذمة المدعو من داخل العراق أو خارجه الحضور إلى مقر اللجنة”.

وكان الصدر قد دعا سابقاً إلى تفعيل “قانون من أين لك هذا” مع الأعرجي، ومنحه مهلة 72 ساعة فقط لتقديم نفسه للقضاء. وهذا الإجراء يعدّ من أشد إجراءات التيار الصدري في مكافحة الفساد ضد قيادي من صفوفه.

—

سادساً: عقارات لندن والاستيلاء على أملاك الدولة

كشفت وثائق حصلت عليها مصادر استقصائية أن الأعرجي قام بتحويل أموال تقارب 15 مليون دولار من حسابات في الإمارات إلى لندن لشراء عقارات فاخرة، سُجلت بعضها باسم حيدر الربيعي (زوج ابنته)، وذلك للتهرب من الرقابة المالية والقانونية.

وعلى الصعيد المحلي، تتهم تقارير استقصائية الأعرجي بـالاستيلاء على “قصر السندباد”، وهو قصر فخم تبلغ مساحته 7 آلاف متر مربع، يطل على نهر دجلة ويقع داخل أروقة المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد. ولم يصدر أي قرار رسمي حتى اليوم بنزع ملكية هذا القصر منه.

—

سابعاً: التناقض المثير – محاربة الفساد من موقع الاتهام

في مشهد يصفه مراقبون بـ”السيرك السياسي”، ما يزال بهاء الأعرجي يتبوّأ منصب رئيس لجنة النزاهة البرلمانية، رغم كل هذه الملفات المفتوحة ضده منذ عام 2016. وهو ما يعكس صراعاً واضحاً للمصالح.

ففي العاشر من شباط (فبراير) 2019، تعهد الأعرجي علناً في تصريح لصحيفة “القدس العربي” بـ”كشف ملفات فساد كبرى في العراق، بينها التراخيص النفطية ومزاد العملة والبنك المركزي”. كما صرّح مؤخراً (في 31 أيار/مايو 2026) بأنه سيفتح تحقيقاً حول شبهات فساد في وزارة التربية.

وهكذا، صارت شخصية الأعرجي رمزاً لازدواجية المعايير: متهم بسرقة المليارات ونهب عقارات الدولة، لكنه لا يزال في موقعه البرلماني لـ”محاربة الفساد”.

—

ثامناً: علاقته برئيس الوزراء محمد السوداني – رعاية سياسية بلا حدود

اليوم، يوصف بهاء الأعرجي بأنه “الذراع البرلماني لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني”. فهو رئيس ائتلاف “الإعمار والتنمية” الذي يُعدّ أبرز داعمي السوداني في البرلمان العراقي. بل أكثر من ذلك، منحه السوداني صفة “مستشار في مكتبه الخاص”.

وفي تطور سياسي لافت، كشفت تقارير إعلامية أن ائتلاف “الإعمار والتنمية” قد فاز بـ 46 مقعداً برلمانياً في انتخابات عام 2025، مما جعله لاعباً محورياً في تشكيل الحكومة العراقية. وهذا يعني أن الأعرجي لم يكتفِ بتحصين نفسه من الملاحقة القضائية، بل حوّل نفوذه السياسي إلى حماية حقيقية لرئيس الوزراء.

—

تاسعاً: التأثير الأمني – مكافحة الفساد أم غسيل السمعة؟

في أحيان كثيرة، يستغل الأعرجي منصبه في لجنة النزاهة ليس لكشف الفساد، بل لتحويل الأنظار عن قضاياه الخاصة، وتوجيه الاتهامات إلى خصومه السياسيين. وعلى الرغم من مذكرات التوقيف الصادرة بحقه عام 2015، فإنه لم يُقدم للمحاكمة حتى اليوم.

ويظل السؤال الأهم: كيف يمكن للعراق، الذي يعاني من تفشي الفساد، أن يضعف ملفات فساد كبرى بحق شخصية تدّعي محاربة الفساد؟

—

عاشراً: المصادر والوثائق المعتمدة في هذا التحقيق

استندت وكالة “أخبار البرهان” في هذا التحقيق إلى المصادر الموثقة التالية:

1. هيئة النزاهة العراقية – قرار إحالة بهاء الأعرجي إلى القضاء (18 شباط 2016).
2. دائرة الوقاية بهيئة النزاهة – تقرير تدقيق الذمة المالية لعام 2016.
3. مجلة “التجارة والأعمال” القطرية – تحقيق استقصائي عن ثروة الأعرجي في بنوك الإمارات.
4. بيان لجنة محاربة الفساد التابعة للتيار الصدري (6 آذار 2016).
5. وثائق “العالم الجديد” و”براثا” الاستقصائية – عقارات لندن والكاظمية.
6. وكالة السومرية نيوز – تصريحات الأعرجي حول كشف الفساد.
7. صحيفة “القدس العربي” – مقابلة مع الأعرجي (10 شباط 2019).
8. تقارير انتخابية عن فوز ائتلاف “الإعمار والتنمية” بـ46 مقعداً عام 2025.

—

حادي عشر: الخلاصة

بهاء الأعرجي ليس مجرد سياسي عادي؛ بل هو تجسيد حي لمأساة الفساد في العراق. إنه مزيج من التناقضات: متهم بسرقة المليارات، لكنه يترأس لجنة النزاهة. يحاكم بقضايا كبرى، لكنه بمنأى عن السجن. متهم بغسل الأموال، لكنه مستشار لرئيس الوزراء.

وثائق هيئة النزاهة، والتقارير القضائية، واعترافات التيار الصدري، والأرقام البنكية، والصور من لندن قبل وبعد 2003، كلها تشكل سردية واحدة: رجل بدأ حياته بائع هواتف، وانتهى به الأمر سارقاً لمليارات الدولة، دون أن يقترب من قفص الاتهام.

وهنا تكشف وكالة أخبار البرهان هذه الوثائق لتطرح السؤال الأهم: إلى متى يظل الفساد محمياً بأثواب السياسة في العراق؟ وإلى متى يظل بهاء الأعرجي رمزاً لانتصار المال الفاسد على القانون،

وكالة اخبار البرهان

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت