وحدة المجتمع أقوى من معادلة الأغلبية والأقلية : خالد الياس رفو

إذا أردنا فهم طبيعة المجتمعات البشرية وكيفية نشأتها وتطورها فربما يكون من المفيد أن نبدأ من أصغر وحدة اجتماعية وهي العائلة ثم نتدرج منها إلى القرية فالمدينة فالمملكة وصولاً إلى الإمبراطورية والحضارة.

لنتصور أباً لديه ثلاثة أبناء وابنتان وتزوج أحد أبنائه وأنجب بنتين وتزوج الثاني وأنجب ولدين أما الثالث فتزوج وأنجب أربعة أبناء ذكور وأربع بنات والابنتان تزوجتا .. إحداهن أنجبت ولداً والأخرى أنجبت بنتاً وهكذا تكونت عائلة كبيرة تضم الجد والأبناء والأحفاد وأصبحت لها قرية يعيش أفرادها فيها ويزرعون أرضها ويرعون مواشيهم ويتشاركون في شؤون حياتهم اليومية ويساهمون معاً في ازدهارها.
في هذه العائلة هناك من لديه بنات فقط .. ومن لديه أبناء ذكور فقط .. ومن لديه بنات وأبناء معاً .. وهناك من لديه ابن واحد ومن لديه أكثر من ابن.
لكن هل يجعل هذا الاختلاف بعض أفراد العائلة أكثر أهمية من غيرهم. ؟
هل يجوز أن يصنف أفرادها إلى أغلبية وأقلية ثم تمنح فئة حقوقاً وامتيازات لا تتمتع بها الفئة الأخرى لمجرد اختلاف في الجنس أو العدد. ؟
بالطبع لا .. لأنهم جميعاً ينتمون إلى عائلة واحدة وتجمعهم روابط مشتركة ومصالح متبادلة ولا تتحدد قيمة أي فرد منهم بعدد إخوته أو أبنائه بل بإنسانيته ومكانته وعمله وعطائه ودوره في حياة العائلة.

ما ينطبق على العائلة يمكن أن نفهم من خلاله طبيعة المجتمع الأكبر مع مراعاة أن المجتمعات ليست عائلات بالمعنى الحرفي وأن حقوق أفرادها لا تقوم على روابط القرابة وحدها بل على المساواة والكرامة الإنسانية والمواطنة.

القرية ليست سوى مجموعة من العائلات والمدينة تضم مجموعات بشرية متعددة والمملكة قد تتشكل من مدن وأقاليم كما قد تنشأ الإمبراطوريات من إخضاع شعوب أو من جمع أقاليم وممالك مختلفة تحت سلطة سياسية واحدة وقد عرفت بلاد الرافدين القديمة مدناً بارزة مثل إريدو أوروك و أور و كيش و لكش و نيبور وأسهمت مجتمعاتها المتنوعة عبر مراحل تاريخية مختلفة في نشوء حضارات مثل سومر .. أكد .. بابل و آشور وفي تحقيق إنجازات عظيمة في الكتابة والإدارة والقانون والعمارة والعلوم والفكر.

لم تكن عظمة تلك الحضارات ناتجة عن تشابه جميع أفرادها وليس عن انتمائهم إلى جماعة واحدة بالضرورة بل ارتبطت بقدرة المجتمعات على تنظيم الحياة وتطوير المعرفة وتبادل الخبرات وبناء المؤسسات واستثمار إمكانات الإنسان في مجالات متعددة.

قد اختلفت طبيعة العلاقات بين تلك المدن والممالك عبر التاريخ فتعاونت أحياناً وتصارعت أو خضعت إحداها للأخرى أحياناً أخرى لكن إرثها الحضاري يبين حجم ما يمكن أن يحققه الإنسان عندما تتراكم خبراته ومعارفه وتتطور قدراته التنظيمية.
من هنا يبرز سؤال يستحق التأمل وهو .. إذا كان اختلاف عدد الأبناء داخل العائلة لا يمنح بعضهم حقاً طبيعياً في السيطرة على الآخرين فلماذا يتحول اختلاف أعداد الجماعات داخل المجتمع إلى مبرر لاحتكار السلطة أو الانتقاص من الحقوق أو فرض الإرادة على الآخرين. ؟

إن مصطلحي الأغلبية والأقلية قد يستخدمان لوصف الواقع الديموغرافي أو لتنظيم بعض الإجراءات الديمقراطية ولا يكون استخدامهما بحد ذاته عنصرياً .. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاختلاف العددي إلى معيار لتحديد قيمة الإنسان أو إلى ذريعة للتمييز والإقصاء أو إلى وسيلة لاحتكار القرار والموارد والفرص عندئذ تصبح الأرقام أداة لتكريس الانقسام بدلاً من أن تكون وسيلة لفهم الواقع وتنظيمه.

الأغلبية العددية لا تمنح أصحابها حقاً في الاستعلاء كما أن الأقلية العددية لا تنتقص من حقوق أصحابها أو كرامتهم .. لا ينبغي أن يكون الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي سبباً في منح امتيازات غير عادلة لفئة أو حرمان فئة أخرى من حقوقها الأساسية.
المجتمعات العادلة لا تقاس بقدرة الفئة الأكبر على فرض إرادتها وإنما بقدرتها على ضمان حقوق الجميع ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالفئات الأكثر عرضة للتهميش والاضطهاد.

إن تحويل الاختلاف إلى تمييز يزرع بذور الانقسام .. والانقسام يضعف الثقة المتبادلة ويقود إلى التوتر والصراع وقد ينتهي بالعنف وسفك الدماء وضياع فرص التنمية والازدهار.
في المقابل .. إن الاعتراف بالتنوع وترسيخ المساواة أمام القانون وضمان المشاركة العادلة في الحياة العامة كلها عوامل تعزز الاستقرار وتفتح الطريق أمام التقدم والرفاهية.

إن المجتمعات التي تطمح إلى مستقبل أفضل تحتاج إلى بناء شعور جامع بالانتماء لا يلغي الخصوصيات القومية أو الدينية أو الثقافية أو المذهبية بل يحترمها ويجعلها جزءاً من نسيج إنساني ووطني مشترك فالانتماء إلى الوطن لا ينبغي أن يكون بديلاً عن الانتماء الثقافي أو الديني كما لا يجوز أن يتحول أي انتماء خاص إلى مبرر لرفض الآخر أو الانتقاص من حقوقه.

إن الاستثمار الحقيقي في مستقبل المجتمعات يبدأ من الإنسان ومن تربيته على احترام الاختلاف وقبول التعدد والإيمان بالمساواة والاحتكام إلى القانون والابتعاد عن خطاب الكراهية والتحريض فالوطن الذي يشعر فيه كل إنسان بأنه شريك كامل في الحقوق والواجبات هو وطن أكثر قدرة على حماية استقراره وتطوير اقتصاده وإطلاق طاقات أبنائه وبناء مستقبل يسوده الأمن والحرية والكرامة.

الخلاصة أن العائلة لا تصبح أقوى بتفضيل الأبناء على البنات أو العكس والقرية لا تزدهر بإقصاء بعض عائلاتها والمدينة لا تتقدم بحرمان بعض سكانها والدولة لا تبني مستقبلها بتهميش بعض مكوناتها .. بل تتحقق القوة الحقيقية عندما يدرك الجميع أن اختلاف العدد لا يعني اختلاف القيمة وأن التنوع ليس تهديداً في حد ذاته وإنما قد يكون مصدر غنى وقوة إذا أُحسن التعامل معه.

فكما تتسع العائلة لأبنائها وبناتها على اختلافهم وتتسع القرية لعائلاتها ينبغي للمجتمع أن يتسع لجميع مكوناته وأن تكون المواطنة والكرامة الإنسانية والعدالة أساس العلاقة بينهم.

لسنا بحاجة إلى مجتمعات متشابهة حتى نعيش معاً بل إلى مجتمعات عادلة تحترم اختلافنا وتحمي حقوقنا وتجمعنا على ما يخدم الإنسان ومستقبل الجميع.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت