في ” العراق ” لا يبدأ تكميم الأفواه دائما بقرار إغلاق صحيفة ولا ينتهي عند مصادرة كاميرا ، فأحيانا يبدأ من ورقة إدارية تحمل لغة التنظيم ثم يتسع أثرها حتى يصبح الصمت هو ” القاعدة ” والكلمة الحرة استثناء يحتاج إلى إذن ، وحين تتحول هيئة يفترض أن تحمي التعددية الإعلامية إلى جهة تملك إيقاف البرامج ومنع المحللين وتغريم المؤسسات ، فإن السؤال لا يعود : هل خالف الإعلامي لائحة بث؟ بل : من يملك حق تحديد حدود الكلام في دولة يفترض أن يحمي دستورها حرية التعبير؟
فبحسب تقرير جمعية ” الدفاع عن حرية الصحافة ” في العراق ، الصادر في الأول من سبتمبر 2026 ، تم رصد 55 قرارا وإجراء لهيئة الإعلام والاتصالات خلال الفترة من ” 1 يونيو إلى 31 اغسطس 2026 ” ، والتي شملت إجراءات في إيقاف برامج ومنع ظهور مقدمي برامج ومحللين وأصحاب رأي ، بالأضافة إلى إنذارات وغرامات مالية على مؤسسات إعلامية ، وتقول الجمعية إن هذا الرقم يمثل ارتفاعاً بأكثر من 100% مقارنة بالأشهر الستة الأولى من العام
لكن الرقم مهما كان صادما ليس وحده جوهر المشكلة ، فالعبرة ليست في عدد القرارات الصادرة بل في طبيعة السلطة التي تمارسها والضمانات التي تحيط بها ومدى خضوعها للمراجعة القضائية وما إذا كانت العقوبة تصحح خطأ مهنيا أم تعاقب موقفا سياسيا ، لإن إيقاف برنامج أو منع شخص من الظهور ليس مجرد إجراء فني ، إنه تدخل مباشر في المجال الذي تتشكل فيه آراء الناس وتناقش فيه سياسات الدولة وتكشف فيه مواطن الخلل ، وهنا تصبح عبارة ” وزارة إعلام بمسمى آخر ” أكثر من عنوان احتجاجي ، إنها تحذير من أن تتحول هيئة تنظيمية إلى مركز وصاية على المجال العام ، وأن يصبح الاستقلال في الاسم لا يقابله استقلال في الممارسة ، فالمادة 38 شاهدة على كم التناقض في هذا المسار ، حيث ينص الدستور العراقي في المادة 38 على كفالة حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل ، وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر ، مع قيد النظام العام والآداب
ولذلك فأن وجود القيد لا يعني أن الدولة تملك تفويضا مفتوحا لإسكات النقد ، فحرية التعبير لا تُحمى فقط عندما يكون الكلام مريحا للسلطة بل تحديدا عندما يكون مزعجا لها ، أما إذا أصبحت المخالفة المهنية ذريعة لمنع الأصوات ” الناقدة ” فإن النص الدستوري يفقد روحه وتتحول الحماية القانونية إلى عبارة معلقة فوق واقع يناقضها ، والأخطر في ذلك أن هذا التناقض يخلق بيئة إعلامية يتعلم فيها الصحفي والمحلل أن يسأل قبل أن يتكلم ، ب : هل ستعجب كلماتي أصحاب النفوذ؟ هل قد تفسر ملاحظتي بوصفها إساءة؟ هل يمكن أن يتحول الاختلاف في الرأي إلى سبب لمنعي من الظهور؟ ، وعندها لا يعود القمع بحاجة إلى إغلاق شامل يكفي أن ينتشر الخوف من العواقب حتى يكتب الإعلاميون لأنفسهم حدودا أضيق من حدود القانون ، فالدولة التي تمنع النقد لا تصبح أقوى بل أكثر هشاشة ، والحكومة التي تخشى من برنامج تلفزيوني لا تعالج أزمة الثقة وإنما تؤجل انفجارها ، أما الهيئة التي تملك سلطة العقاب دون ضمانات واضحة فإنها تخاطر بأن تتحول من منظم للسوق الإعلامية إلى حارس على أبواب الرأي
نعم .. لا خلاف على أن الإعلام يحتاج إلى قواعد مهنية ، وأن التحريض على العنف أو التشهير أو انتهاك حقوق الآخرين يستوجب مساءلة ، لكن المعيار الديمقراطي لا يقاس بوجود العقوبة بل بضرورتها وتناسبها وضمانات تطبيقها ، فليس كل كلام قاس تحريضا ، وليس كل نقد للمؤسسة الحكومية إساءة للدولة ، وليس كل اختلاف مع مسؤول مخالفة تستحق إسكات صاحبه ، ولذلك فإن أي نظام للبث ينبغي أن يوضح المخالفة تحديدا ، وأن يتيح حق الدفاع والطعن وأن يميز بين الخطأ المهني وبين الرأي السياسي ، وأن يجعل المنع من الظهور إجراء استثنائيا لا أداة لإدارة المشهد الإعلامي ، أما العقوبات التي تستخدم على نحو متكرر ضد البرامج والمحللين وأصحاب الرأي ، فإنها تثير سؤالا مشروعا عن التناسب وعن استقلال الجهة التي تفرضها وعن حدود صلاحياتها ، وقد أوردت الجمعية في تقريرها أن بعض الإجراءات شملت حظر أشخاص من الظهور لمدة تصل إلى عام ، مما يعتبر مساسا مباشرا بحرية التعبير
ومن هنا علينا أن ندرك جيدا بأن حرية الصحافة ليست ” منحة ” وطنية تمنحها الحكومات متى شاءت بل حق تحميه ” منظومة حقوق الإنسان الدولية ” ، فقد كرس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي انضم إليه العراق ” حرية الرأي والتعبير” السماح بقيود محددة يجب أن تكون منصوصا عليها في القانون وضرورية لحماية مصالح مشروعة ، كما وتؤكد المعايير الدولية أن القيود لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإسكات المعارضة أو النقد السياسي ، لان الحكومة العراقية من هنا لا تواجه المسألة من زاوية دستورية داخلية بحثة بل تواجه أيضا التزاما دوليا باحترام حرية التعبير وحماية الصحفيين من التدخلات التعسفية ، وإذا ثبت بأن إجراءات المنع والإيقاف تستخدم بصورة غير متناسبة أو انتقائية فإن ذلك يثير مسؤولية الدولة عن عدم احترام التزاماتها الحقوقية الدولية
إن أخطر ما في هذه القضية أن السلطة قد تكتفي بالقول إن الهيئة ” مستقلة ” وكأن الاستقلال الإداري وحده ينهي السؤال ، فالاستقلال الحقيقي لا يقاس بالاسم بل بقدرة الهيئة على اتخاذ قراراتها بعيدا عن الضغط السياسي ، وبوجود آليات رقابة ومراجعة تضمن عدم تحولها إلى أداة لمعاقبة الخصوم أو حماية المسؤولين من النقد ، ولهذا فإن المطلوب هنا ليس أن تنتصر الحكومة في معركة إعلامية بل أن تنتصر في اختبار دولة القانون ، وذلك يبدأ بنشر أسس القرارات وأسبابها ، وبيان عدد الطعون ونتائجها ، وضمان حق المؤسسات والأفراد في الدفاع عن أنفسهم ، ومراجعة العقوبات التي قد تكون غير متناسبة مع طبيعة المخالفة ، وفتح حوار جاد مع النقابات والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام
ولهذا فعلينا من كل ذاك أن نعي جيدا بأن حرية الصحافة ليست امتيازا للمحلل أو المقدم أو القناة ، إنها حق للمواطن في أن يسمع أكثر من رواية ، وأن يرى السلطة تحت المساءلة ، وأن يعرف أن الدولة لا تطلب منه الصمت كي تثبت هيبتها ، فهيبة الدولة لا تُبنى بإسكات الصحافة بل بقدرتها على احتمال النقد وتصحيح الخطأ ومحاسبة الفساد والاحتكام إلى القانون ، ففي النهاية فإن السؤال الذي يفرض نفسه على بغداد اليوم ليس ، في : كم قرارا تستطيع الهيئة أن تصدر؟ بل : كم مساحة من الحرية تستطيع الدولة أن تحميها دون أن تخاف منها ؟ ، لأن العراق الذي يريد أن يخرج إلى العالم بافكاره عليه أن يغير الفكرة التي تجعل الكلمة الحرة خطرا وتجعل السلطة فوق المساءلة
واليوم ومن هنا تحديدا لا يسعنا إلا أن نستذكر بكل التقدير والامتنان الراحلة عن عالمنا اليوم ” غلوريا ستاينم ” الكاتبة والصحفية الرائدة التي جعلت من الكلمة الحرة طريقا إلى العدالة ومن الصحافة مساحة لمساءلة السلطة والدفاع عن كرامة الإنسان ، وفي رحيلها نستعيد معنى الصحافة التي لا تكتفي بنقل الخبر بل تفتح النوافذ المغلقة ، وتمنح المهمشين صوتا ، وتضع الحقيقة في مواجهة الخوف ، فاستذكار غلوريا اليوم ليس مجرد تعزية في صحفية تركت أثرا في تاريخ الإعلام بل هو تذكير بأن حرية الصحافة لا تقاس بعدد المنابر الموجودة وإنما بقدرتها على أن تقول ما يجب أن يقال ، وأن تسأل حين يصمت الآخرون ، وأن تحمي حق المجتمع في المعرفة ، ومن هنا نشير بأن ما يجري في العراق من إجراءات تطال البرامج والمحللين وأصحاب الرأي يستحق أن يُقرأ بجدية ، لأن الصحافة التي تفقد حريتها لا تفقد حقها في التعبير وحده بل تفقد قدرتها على حماية المجتمع من الصمت المفروض
رحم الله ” غلوريا ” وكل من جعلوا من القلم وسيلة للإنصاف ومن الحقيقة مسؤولية لا تخضع للمساومة ، ولعل أفضل وفاء لمسيرتها أن تبقى الصحافة حرة وأن تظل الكلمة قادرة على مساءلة السلطة لا أن تتحول إلى امتياز تمنحه السلطة لمن تشاء وتسلبه ممن تشاء ، ففي كل مرة تكمم فيها الصحافة لا يغلق فم صحفي واحد لرائيه .. بل تغلق نافذة من نوافذ المجتمع على الحقيقة .




