يُحكى أن ملكًا أراد أن يختار كبير وزرائه الجديد من بين خدمه، فقرر أن يختبر ذكاءهم بطريقة غريبة. جمع كبار الخدم والحاشية، وأعطى كل واحد منهم حبة قمح واحدة، وقال: “ازرعوا هذه الحبة، ومن يُحضر لي بعد شهر أفضل إنتاج منها، سأجعله كبير وزرائي.”
كانت بين الخدم فتاة بسيطة تُدعى “سلمى”، تعمل في تنظيف قصر الملك، فأخذت حبتها بجدية رغم أن أحدًا لم يتوقع منها شيئًا. زرعتها بعناية فائقة، تسقيها وتعتني بها كل يوم، لكن الحبة لم تنبت إطلاقًا مهما فعلت، تمامًا كحال باقي الخدم الذين حصلوا على حبوب مثلها دون أن يعرفوا.
في يوم الحساب، أحضر معظم الخدم أواني مليئة بسنابل قمح ذهبية جميلة، افتخروا بها أمام الملك وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم استبدلوا الحبة الأصلية بحبوب أخرى حين لم تنبت، خوفًا من غضب الملك أو خسارة الفرصة.
أما سلمى، فتقدمت بخجل شديد حاملة الإناء الفارغ، وقالت بصدق: “يا مولاي، اعتنيت بالحبة كل يوم، لكنها لم تنبت رغم كل جهدي، ولن أكذب عليك بإحضار حبوب ليست التي أعطيتني إياها.”
نظر الملك إلى الجميع بابتسامة هادئة وقال: “لقد سلقتُ كل الحبوب قبل أن أوزعها عمدًا، فلا يمكن لأي منها أن تنبت! كنتُ أختبر صدقكم لا مهارتكم في الزراعة. وقد كذب عليّ أغلبكم اليوم، إلا هذه الفتاة الصادقة.”
عيّن الملك سلمى كبيرة وزرائه فورًا رغم بساطة أصلها ومنصبها السابق، وقال للحاضرين: “المملكة لا تحتاج إلى من يُجيد الزراعة فقط، بل إلى من يملك الشجاعة ليقول الحقيقة حتى حين تكون كل الظروف تدفعه للكذب.”
حكمت سلمى بحكمة وصدق لسنوات طويلة، وأصبحت قصتها مثالاً يُروى للأجيال عن قيمة الصدق في أصعب المواقف.
العبرة من الحكاية: الشجاعة الحقيقية تكمن في قول الحقيقة حتى حين يبدو الكذب أسهل وأكثر أمانًا؛ والقيادة الناجحة لا تُبنى على المظاهر البرّاقة، بل على الأمانة والصدق في أصعب اللحظات.



