الإثنين, فبراير 16, 2026
Homeاراءالأيزيديين بين التشويه والحقيقة : خالد الياس رفو

الأيزيديين بين التشويه والحقيقة : خالد الياس رفو

كل قراءة تاريخية عميقة في هوية الشعب الأيزيدي أحد أقدم شعوب ميزوبوتاميا تقود بالضرورة إلى حقيقة صادمة مفادها أن ما سمي عبر القرون بالمصادر التاريخية والدراسات التي وصفت بالأكاديمية حول الأيزيديين لم يكن في جوهره تاريخاً بالمعنى العلمي ، بل كان في كثير من الأحيان انعكاساً مباشراً لذهنية السلطة الدينية والسياسية التي أنتجته .
في الحقيقة لم تكتب تلك البحوث .. الدراسات والنصوص لفهم حقيقة الأيزيديين ، بل لإخضاعهم أو لتبرير اضطهادهم أو لإقصائهم من الذاكرة التاريخية وإخراجهم من سياق الوجود الحضاري المشروع .

لهذا تتكرر فيها الاتهامات ذاتها بأقنعة متعددة.
مرة يصور الأيزيديين كطائفة منشقة عن الإسلام ومرة كديانة حديثة العهد وأخرى كمزيج مشوه من الإسلام و المسيحية أو امتداد للصوفية أو للزرادشتية أو للمثرائية .
وفي أقصى حالات التشويه يختزل وجود الأيزيديين في أكثر الصور ابتذالاً وهو ” عباد الشيطان ” أو يقال عنهم قوم بلا نبي وبلا كتاب ، إذن بلا إيمان ، أي كفرة خارجون عن المنظومات الدينية السائدة .

هذا التناقض وحده كاف لطرح السؤال الجوهري وهو : كيف يمكن لهوية واحدة أن تنسب في آن واحد إلى كل هذه الأصول المتناقضة .؟!
الجواب هو أن الخلل ليس في الشعب الأيزيدي أنفسهم ، بل في تلك المصادر .. الدراسات والبحوث الأكاديمية .

الأزمة ليست أزمة هوية بل أزمة ” معرفة واعتراف ”
أغلب ما كتب عن الأيزيديين كتب من خارجهم ، بل من خصومهم العقائديين ، دون أي اعتبار لروايتهم الذاتية ولا لفهم بنيتهم الرمزية ولا إدراك لفلسفتهم الدينية والحياتية ولا إدراك لطبيعة دينهم الشفهي ولا احترام لمنطقهم الكوني الخاص ولا لتاريخهم الموغل في القدم .
قورنت الأيزيدية من قبل غالبية من كتب عنهم ، سواء من خارجهم أو من داخلهم ، قسراً بمعايير أديان لاحقة عليها زمنياً .
حين يرى المؤرخ المسلم لدى الأيزيديين الختان يفترض أنه بسبب التأثر بالإسلام وحين يرى لدى الأيزيديين تعميداً بالماء يربطه بالمسيحية وحين يرى تقديساً للنور والنار يُسقط عليه المثرائية أو الزرادشتية .

وهكذا لم يطرح السؤال الصحيح وهو : من الأقدم .؟ ومن أخذ عن من .؟!
الحقيقة التاريخية أن الشعب الأيزيدي ليسوا طائفة دينية طارئة ولم ينشؤوا من قوم أو دين آخر ، بل هم شعب ميزوبوتامي أصيل جذوره ممتدة في عمق
” سومر وأكد وبابل وآشور ” .
هوية الأيزيديين ” إثنية دينية ” وهي ليست مشروعاً تبشيرياً يهدف للتوسع والهيمنة والسلطة ولا حركة تأسيس عقائدي ، بل استمرارية حضارية .
الأيزيديين شعب وديانة ارتبطت بالأرض .. الطبيعة ودورات الحياة وفكرة الخلق الأولى .
إن الديانة الأيزيدية نشأت من الوجود لا من الفتح ومن الجغرافيا لا من الغزو ومن الاستمرارية لا من الانقطاع .

في اللغة الأيزيدية يطلق على الخالق اسم ” خودي ” أي الكائن الذي أوجد ذاته بذاته وهو مفهوم ديني فلسفي عميق يعبر عن تصور أزلي للوجود الإلهي يسبق الأديان النبوية .
هذا الفهم يؤسس لتوحيد مبكر لا يقوم على الوساطة ولا يحتاج إلى نبي ، إذ تقوم العلاقة بين الإنسان والخالق على صلة مباشرة أخلاقية كونية قائمة على الوعي الداخلي والإدراك الروحي لا على الطاعة القسرية أو الخضوع المفروض .

أما المعنى اللغوي والفلسفي الحقيقي لكلمة
” أيزيدي ” فيرتبط بدلالات روحية وأخلاقية سامية ، إذ تفهم على أنها الروح الخيرة أو السائرون في الطريق القويم ، أي المؤمنون بالخالق المقدس .
ويرى في أصل التسمية أنها مشتقة من ألفاظ قديمة مثل ” أزدان ، يزدان أو أيزي ، أيزد ” وهي تسميات تشير إلى الله في اللغات الفارسية القديمة ، كما ترتبط أيضاً بجذر ” يزاتا ” الذي يعني المقدس أو الجدير بالعبادة .

ومن هذا المنظور فإن دلالة الاسم لا يمكن أن تنسب إلى انتماء سياسي أو نسب تاريخي لشخصية أو خليفة ، بل تعود إلى جذور لغوية وروحية ضاربة في القدم تدور حول مفاهيم النور .. القداسة والحضور الإلهي في الوجود .
كما يفسر المصطلح بمعنى ” غير الملوثين أو المتعززين بالله ” في إشارة إلى النقاء الروحي والسمو الأخلاقي .

فلسفياً تعني التسمية ” عبدة الله ” بالمعنى الروحي المباشر ، أي الذين يؤمنون بالخالق ” خودي ” دون وسيط ويقيمون علاقتهم به على أساس الوعي والصفاء الداخلي .
وتشير بعض الدراسات الأثرية واللغوية إلى أن مدلول الكلمة يحمل معاني الخير والطهارة والنقاء الروحي بما يعكس رؤية كونية تعتبر الإنسان كائناً أخلاقياً مرتبطاً بالمقدس ارتباطاً مباشراً .

وعليه فإن اسم ” أيزيدي ” لا ينسب إلى سلطة تاريخية ولا إلى شخصية بعينها ، بل ينتمي إلى منظومة مفاهيم لغوية وفلسفية قديمة مثل ” أيزي ، أيزدا و أزدان ، يزدان ” وهي ألفاظ تتمحور حول معنى الخلق .. النور والوجود الإلهي الحاضر في الكون .
ويعبر الاسم في جوهره عن تصور روحي مبكر للإله الأزلي غير المخلوق ، المدرك بوصفه وجوداً مطلقاً يتجاوز الشكل البشري والحدود الزمنية والتاريخية .

الطقوس التي تستخدم اليوم لتشويه الأيزيدية ليست دليلاً على الاقتباس ، بل شاهداً على القدم .
الختان ، التعميد ، تقديس النور ، احترام العناصر الأربعة ( التراب .. الماء .. النار .. الهواء ) كلها طقوس كونية سبقت الديانات الإبراهيمية بقرون طويلة .
السؤال العلمي الصحيح هو : ليس لماذا توجد عند الأيزيديين طقوس مشابهة لديانات أخرى ، بل لماذا يفترض تلقائياً أنهم أخذوها من ديانات جاءت بعدهم تاريخياً .

الأيزيدية أقدم زمنياً من الأديان الإبراهيمية ولم تنشق عنها ، بل إن الكثير من الرموز والطقوس انتقلت تاريخياً من الديانات الأرضية الميزوبوتامية إلى الأديان اللاحقة بعد إعادة تفسيرها وتأويلها ضمن أطر لاهوتية جديدة .

أما الزرادشتية فلا تمثل أصل الأيزيدية ، بل كانت تجربة اجتهاد ديني نسبياً داخل فضاء روحي أقدم . ويذهب بعض الباحثين إلى أن زرادشت نفسه خرج من بيئة روحية أيزيدية كانت امتداداً لمنظومات دينية أقدم في ميزوبوتاميا .
ليست العلاقة علاقة أصل وفرع ، بل علاقة تشابك حضاري داخل حقل روحي مشترك.

الشمس عند الأيزيديين ليست إلهاً بل رمزاً وهي قبلة رمزية لا معبوداً .
هي رمز نور الخالق ومصدر الحياة على الأرض وهذا فهم فلسفي رمزي لا وثني .
كما استخدم النور رمزاً في ديانات كثيرة وظل عند الأيزيديين رمزاً وليس بديلاً عن الخالق .

أن الشعب الأيزيدي لم يبدأ عبر تاريخه الطويل حرباً ، لكنه كتب عليه أن يكون الضحية .
طوال التاريخ تعرض الأيزيديين لعشرات حملات الإبادة فقط لأنهم رفضوا الانصهار والذوبان في ثقافات أخرى .
لا تحمل الأيزيدية أي مشروع غزو ولم يفرض الأيزيدي دينه على أحد ولم يبني دولته على إقصاء غيره ومع ذلك وصم بالكفر واستحل دمه وسبيت نساؤه ودمرت مقدساته .

وهنا تتكشف الحقيقة الأخطر : تشويه الهوية الأيزيدية كان دائماً تمهيداً للإبادة ، فقبل أن يقتل الجسد يقتل المعنى وقبل أن تدمر القرى تدمر الصورة الذهنية وقبل أن تسفك الدماء يسفك الوعي .

الأيزيدية ليست لغزاً غامضاً ، بل مرآة تكشف خوف الآخر من المختلف القديم الذي لم يخضع لأحد .
وهي ديانة الحياة لا الفتح ، ديانة الأرض لا السيف ، ديانة الوجود لا الإقصاء .
وإن كان ثمن بقائها هو أن تشوه في الكتب ، فقد أثبت التاريخ أن الديانات التي لا تموت هي تلك التي لا تحتاج إلى تبرير وجودها بالقوة ولا إلى حماية الحقيقة بالسلاح ، لأنها ببساطة متجذرة في الوجود نفسه .

1 COMMENT

الاشتراك
نبّهني عن
1 Comment
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
حاجي علو
17 أيام

شكراً على هذه التعبير الصحيح عن الحقيقة, حقيقة التاريخ المعكوس والدين الغامض, لكن بعض هذا الغموض هو من اليزيديين, وبعضهم عمداً , لكن أرجو أن لا تكرر الخطأ تقليداً للأخرين, سمِّ الأِشياء بأسمائها هي لا بأسماء غيرها , اليزيديون كان اسمهم داسني قبل زرادشت وحتى سقوط الساسان بيد العرب الإسم الصحيح الكامل (هورامزدا سني) بمعنى عبدة الشمس واهبة الحق يختصر إلى داسني وكان دين الدولة من أفغانستان إلى سوريا حلب, فلماذا تسميهم باليزيدي فبل ألاف السنين؟ الاسم اليزيدي حديث ظهر بعد الشيخ حسن في الموصل

Most Popular

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x